الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيه، آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) قال صاحبَ "مطالع الأنوار": ورويناه "آخرَ ما عليهم" برفع الراء، ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير: ذلك آخرُ ما عليهم من دخوله، قال: والرفع أوجَهُ، وفي هذا أعظم دليل على كثرة الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم - والله تعالى أعلم (?).

(ثُمَّ أُتِيتُ، بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ) قد تقدّم في أول الباب الكلام في هذا الجُمَل، والذي يزاد هنا معنى: "أصبت"، أي: أصبت الفطرة، كما جاء في الرواية المتقدّمة، وتقدَّم بيان معنى الفطرة.

ومعنى "أصاب الله بك"؛ أي: أراد بك الفطرةَ، والخيرَ، والفضلَ، وقد جاء "أصاب" بمعنى "أراد" في قول الله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)} [ص: 36]، أي: حيث أراد، اتَّفَق عليه المفسرون وأهل اللغة، كذا نَقَل الواحديّ اتفاق أهل اللغة عليه.

وأما قوله: "أمتُك على الفطرة"، فمعناه: أنهم أَتْبَاعٌ لك، وقد أصبت الفطرة، فهم يكونون عليها، والله تعالى أعلم (?).

ووقع في رواية البخاريّ: "ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها".

قال في "الفتح" مفسّرًا للفطرة: أي دين الإسلام، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرةً؛ لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشُقُّ أمعاءه، والسرّ في ميل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليه دون غيره؛ لكونه كان مألوفًا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، وقد وقع في هذه الرواية أن إتيانه الآنية كان بعد وصوله إلى سدرة المنتهى، ووقع عند البخاريّ في "الأشربة": من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار ... " فذكره، قال: "وأتيت بثلاثة أقداح ... " الحديث، وهذا موافق لحديث الباب إلا أن شعبة لم يذكر في الإسناد مالك بن صعصعة، وفي

طور بواسطة نورين ميديا © 2015