في روايته: "وأنا أغلبه، والناسَ يَغْلِب"، وكذا في رواية عقبة عند النسائيّ،
وفي رواية عُمر عنده، وكذا الطبرانيّ، لكن بلفظ: "ونغلبه" بنون الجمع.
و"الأرنب": دُوَيبة لينة المسّ، ناعمة الوبر جدًّا، و"الزرنب" بوزن:
الأرنب، لكن أوله زاي، وهو نبت طيب الريح، وقيل: هو شجرة عظيمة
بالشام بجبل لبنان، لا تثمر، لها ورق بين الخضرة والصفرة، كذا ذكره
عياض (?)، واستنكره ابن البيطار وغيره من أصحاب المفردات، وقيل: هو
حشيشة دقيقة طيبة الرائحة، وليست ببلاد العرب، وإن كانوا ذكروها، قال
الشاعر [من الرجز]:
يَا بِأَبِي أَنْتِ وَفُوكِ الأَشْنَبُ ... كَأَنَّمَا ذُرَّ عَلَيْهِ الزَّرْنَبُ
أَوْ زَنْجَبِيلٌ عَاتِقٌ مُطَيَّبُ
وقيل: هو الزعفران، وليس بشيء، واللام في "المس" و"الريح" نائبة عن
الضمير؛ أي: مسّه وريحه، أو فيهما حذفٌ، تقديره: الريح منه، والمسّ منه؛
كقولهم: السمن مَنَوان بدرهم، وَصَفته بأنه ليّن الجسد، ناعمه.
ويَحْتَمِل أن تكون كَنَت بذلك عن حُسن خُلُقه، ولِين عريكته، بأنه طيّب
العَرَق لكثرهّ نظافته، واستعماله الطِّيب تظرّفًا.
وَيحْتَمِل أن تكون كَنَت بذلك عن طِيب حديثه، أو طيب الثناء عليه؛
لجميل معاشرته.
وأما قولها: "وأنا أغلبه، والناسَ يَغلِب" فوصفته مع جميل عشرته لها،
وصبره عليها بالشجاعة، وهو كما قال معاوية: "يغلين الكرام، ويغلبهن اللئام".
قال عياض (?): هذا من التشبيه بغير أداة، وفيه حسن المناسبة،
والموازنة، والتسجيع.
وأما قولها: "والناسَ يغلب" ففيه نوع من البديع، يسمى التتميم؛ لأنها لو
اقتصرت على قولها: "وأنا أغلبه" لظُنّ أنه جبان ضعيف، فلما قالت: "والناسَ
يغلب" دلَّ على أن غَلَبها إياه إنما هو من كَرَم سجاياه، فتمّمت بهذه الكلمة
المبالغة في حُسن أوصافه.