فريضتي، وخفّفتُ عن عبادي"، ثم يُعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين، ثم يَحُطّها إلى خمس؟ . انتهى (?).

فتحصّل من هذا أن الصواب عدم تعدّد الإسراء والمعراج، وأنه إذا اختلفت علينا الروايات، سلكنا مسلك الترجيح، وعملنا بما دلّت عليه الروايات الكثيرة القويّة لرجحانها، وألغينا الروايات المرجوحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك مسلك ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

(إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا) هو جبريل عليه السلام (يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) المراد بالرجلين: حمزة، وجعفر، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نائمًا بينهما، قاله في "الفتح".

(فَأُتِيتُ) بالبناء للمفعول، والآتي، والذي شقّ النحر، وغَسَل القلبَ، وملأه حكمةً وإيمانًا، هو جبريل عليه السلام، ففي رواية أبي - رضي الله عنه - السابقة: "فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء" (فَانْطُلِقَ بِي) بالبناء للمفعول أيضًا، الظاهر أن المراد انطلاقه من بيته إلى المسجد (فَأُتِيتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِطَسْتٍ) تقدّم أنها بفتح أولها وكسره، وبمثناة، وقد تحذف، وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيء، وأخطأ من أنكرها، وخُصَّ الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفًا (مِنْ ذَهَبٍ) خُصّ الذهب لكونه أعلى أنواع الأواني الحسية وأصفاها، ولأن فيه خواصَ ليست لغيره، ويظهر لها هنا مناسبات، منها أنه من أوانى الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي، وقال السُّهيليّ وغيره: إن نُظِر إلى لفظ الذهب نالسب من جهة إذهاب الرجس عنه، ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نُظر إلى معناه فلوضاءته، ونقائه، وصفائه، ولثقله، ورسوبته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5]، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)} [المؤمنون: 102]، ولأنه أعزّ الأشياء في الدنيا، والقول هو الكتاب العزيز.

قال: ولعل ذلك كان قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015