أَزْوَاجَكَ ارْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْألنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) قال النوويّ -رحمه الله-:

معناه: يسألنك التسوية في محبّة القلب، وكان - صلى الله عليه وسلم - يُسوّي بينهنّ في الأفعال،

والمبيت، ونحوه، وأما محبّة القلب فكان يحبّ عائشة - رضي الله عنها - أكثر منهنّ، وأجمع

المسلمون على أن محبّتهنّ لا تكليف فيها، ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا

قدرة لأحد عليها إلا الله، وإنما أمر بالعدل في الأفعال، وقد اختلف أصحابنا،

وغيرهم من العلماء في أنه - صلى الله عليه وسلم -، هل كان يلزمه القَسْم بينهنّ في الدوام،

والمساواة في ذلك، كما يلزم غيره، أم لا يلزمه، بل يفعل ما يشاء، من إيثار

وحرمان؟ ، فالمراد بالحديث: طلب المساواة في محبّة القلب، لا العدل في

الأفعال، فإنه كان حاصلًا قطعًا، ولهذا كان يُطاف به - صلى الله عليه وسلم - في مرضه عليهنّ

حتى ضَعُف، فاستأذنهنّ في أن يُمَرَّض في بيت عائشة، فأَذِنَّ له. انتهى (?).

وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه الله-: طلبُ أزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - منه العدل بينهنّ،

وبين عائشة -رضي الله تعالى عنهنّ- ليس على معنى أنه جارَ عليهنّ، فمنَعهنّ

حقّا هو لهنّ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهنّ واجبًا عليه،

لكن صَدَر ذلك منهنّ بمقتضى الْغَيْرة، والحرص على أن يكون لهنّ مثلُ ما كان

لعائشة - رضي الله عنها - من إهداء الناس له، إذا كان في بيوتهنّ، فكأنهنّ أردن أن يأمر من

أراد أن يُهدي له شيئًا ألّا يتحرّى يوم عائشة - رضي الله عنها -، ولذلك قال: "وكان الناس

يتحرّون بهداياهم يوم عائشة".

وَيحْتَمِل أن يقال: إنهنّ طلبن منه أن يُسوّي بينهنّ في الحبّ، ولذلك

قال - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة - رضي الله عنها -: "ألست تُحبّين من أُحبّ؟ " قالت: بلى، قال: "فأَحِبِّي

هذه"، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء، أما الهديّة فلا تُطلب من

المهدي، فلا يتعيّن لها وقت، وأما الحبّ، فغير داخل تحت قدرة الإنسان،

ولا كسبه. انتهى (?).

وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه الله-: مقتضى القصّة التي سُقناها من عند

البخاريّ أن الذي طَلَبْنه منه مساواتهنّ لعائشة في الإهداء للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بيوتهنّ،

وقد صرّحت له أم سلمة بذلك مرارًا قبل حضور فاطمة، وزينب، ولم يصدُر

طور بواسطة نورين ميديا © 2015