(مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ) قال القاضي عياض - رَحِمَهُ اللهُ -: هذا مخالف لِمَا يقوله أهل النسب والتاريخ، من أن إدريس - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أبٌ من آباء النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنه جَدٌّ أعلى لنوح - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأن نوحًا هو ابن لامك بن مَتُّوشَلَخ بن خَنُوخ، وهو عندهم إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسَرْدها على ما ذكرناه، وإنما يختلفون في ضبط بعضها وصورة لفظه، وجاء جواب الآباء هنا إبراهيم وآدم مرحبًا بالابن الصالح، وقال إدريس: مرحبًا بالأخ الصالح، كما قال موسى، وعيسى، وهارون، ويوسف، ويحيى، وليسوا بآباءٍ صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قيل عن إدريس: إنه إلياس، وإنه ليس بجدّ لنوح، فإن إلياس من ذرية إبراهيم، وإنه من المرسلين، وأن أول المرسلين نوح - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كما جاء في حديث الشفاعة. انتهى كلام القاضي عياض - رَحِمَهُ اللهُ -.
قال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ - بعد نقله كلام القاضي هذا: وليس في هذا الحديث ما يمنع كون إدريس أبًا لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن قوله: "والأخ الصالح" يَحْتَمِل أن يكون قاله تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإن كان ابنًا، فالأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة. انتهى كلام النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ - (?).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاضي هو الظاهر، فلو صحّ ما قاله أهل النسب بدليل صحيح، لتكلّفنا لِمَا قاله النوويّ، وإلا فلا داعي إلى التكلّف، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: ثُمَّ مَرَّ) أي: جاوز جبريل مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إدريس (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأخِ الصَّالِح، قَالَ) - صلى الله عليه وسلم - (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ) جبريل (هَذَا مُوسَى، قَالَ) - صلى الله عليه وسلم - (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) "ثم" هنا ليست على بابها في الترتيب؛ إذ الروايات الكثيرة متفقة على أن مروره بموسى بعد عيسى، والحمل على التعدّد بعيد، كما لا يخفى (فَقَالَ) عيسى (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخَ الصَّالِح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: