كون ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به. انتهى (?).
(وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَفَرَجَ صَدْرِي) هو بفتح الفاء، وبالجيم أيضًا؛ أي: شقَّه، ورجَّح القاضي عياض أنّ شقّ الصدر كان وهو صغير، عند مرضعته حليمة، وتعقّبه السهيلي بأن ذلك وقع مرتين، وهو الصواب، والحكمة في الشق الأول، كان لاستعداده لنزع العلقة التي قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك، والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة، وقد رَوَى الطيالسيّ والحارث في "مسنديهما" من حديث عائشة - رضي الله عنهما -، أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء، - والله تعالى أعلم - ومناسبته ظاهرة، ورُوي الشَّقّ أيضًا وهو ابن (?) عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب، أخرجها أبو نعيم في "الدلائل"، وروى مرة أخرى خامسة ولا تثبت، قاله في "الفتح" (?).
(ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا، وإنما خُص بذلك لأنه آلة الغسل عرفًا، وكان من ذهب لأنه أعلى أواني الجنة، وهو رأس الأثمان، وله خواصّ، منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض ولا تغيّره، وهو أنقى كلّ شيء وأصفاه ويقال في المثل: أنقى من الذهب، وهو بيت الفرح والسرور، وقال الشاعر [من البسيط]:
صَفْرَاءُ لَا تَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا ... لَوْ مَسَّهَا حَجَر مَسَّتْهُ سَرَّاءُ
وهو أثقل الأشياء، فيُجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيَرسُبُ، وهو موافق لثقل الوحي، وهو عزيز، وبه يتمّ الملك.
وقد أبعد من استدَلّ به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب؛ لأن المستعمِل له الملك، فيحتاج إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كُلِّفنا به، ووراء ذلك أنّ ذلك كان على أصل الإباحة؛ لأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة، كما سيأتي واضحًا في محلّه من "كتاب اللباس" - إن شاء الله تعالى -.