رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسك بشيء.

[الثالث]: دنا جبريل فتدلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ساجدًا لربه تعالى شكرًا على ما أعطاه، قال: وقد رُوي هذا الحديثُ عن أنس من غير طريق شريك، فلم تُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يُقَوِّي الظن أنها صادرة من جهة شريك. انتهى.

وقد أخرج الأموي في "مغازيه"، ومن طريقه البيهقي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} [النجم: 13] قال: دنا منه ربه، وهذا سَنَد حسنٌ، وهو شاهد قويٌّ لرواية شريك.

ثم قال الخطابيّ: وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضًا لم يَذكُرها غيره، وهي قوله: "فعلا به - يعني: جبريل - إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب". قال: والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه. انتهى.

قال الحافظ: وهذا الأخير متعيِّنٌ، وليس في السياق تصريحٌ بإضافة المكان إلى الله تعالى.

وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي، ففيه نظرٌ، فقد ذكرتُ من وافقه، وقد نَقَل القرطبيّ عن ابن عباس أنه قال: دنا الله - سبحانه وتعالى -، قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، قال: وقيل: تدلَّى الرفرف لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حتى جَلَس عليه، ثم دنا محمد من ربه. انتهى.

قال: وقال القاضي عياض في "الشفاء": إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى، أو من الله، ليس دنوّ مكان ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إبانة لعظيم منزلته وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأول فيه ما قالوه في حديث: "يَنزل ربنا إلى السماء"، وكذا في حديث: "مَن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا"، وقال غيره: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي؛ لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى، والتدلّي طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عبارة عن لطف المحلّ وإيضاح

طور بواسطة نورين ميديا © 2015