لقوله في أوله: "وهو نائم"، وفي آخره: "استيقظ"، وبعض الرؤيا مَثَلٌ يُضرَب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يُصرَف إليه في مثله، وبعض الرؤيا لا يَحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة.

قال الحافظ؛ وهو كما قال، ولا التفات إلى مَن تعقّب كلامه بقوله في الحديث الصحيح: "إن رؤيا الأنبياء وحي"، فلا يَحتاج إلى تعبير؛ لأنه كلام مَن لم يُمْعِن النظر في هذا المحل، فقد ثبت أن بعض مرأى الأنبياء يقبل التعبير، ومن ذلك قول الصحابة - رضي الله عنهم - له - صلى الله عليه وسلم - في رؤية القميص: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: "الدين"، وفي رؤية اللبن قال: "العلم" إلى غير ذلك.

لكن جزْم الخطابي بأنه كان في المنام متعَقَّب بما تقدم تقريره قبلُ، ثم قال الخطابيّ مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها: إنما هي حكاية يَحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزُها إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا نَقَلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس وإما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. انتهى.

وتعقّبه الحافظ وأحسن، فقال: وما نفاه من أنَّ أنسًا لم يُسند هذه القصة إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابيّ، فإما أن يكون تلقّاها عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو عن صحابيّ تلقاها عنه، ومثل ما اشتَمَلت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذكره تأثير لم يُحمَل حديثُ أحدٍ، رَوَى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود.

ثم قال الخطابيّ: إن الذي وَقَع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار - عَزَّ وَجَلَّ - مخالف لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، مَن تقدم منهم ومَن تأخر، قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال:

[أحدها]: أنه دَنَا جبريل من محمد - صلى الله عليه وسلم -، فتدلى، أي: تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: تدلى فدنا؛ لأن التدلي بسبب الدنو.

[الثاني]: تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدليًا كما

طور بواسطة نورين ميديا © 2015