قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل يردّه قوله في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند النسائيّ: "فرجعت إلى إبراهيم، فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت على موسى، فقال: كم فرض الله عليك ... "، فإنها ظاهرة بأنه مرّ أوّلًا على إبراهيم؛ لأنه في السماء السابعة، ثم مرّ على موسى في السادسة، فالأولى ترجيح الروايات المشهورة: أن إبراهيم في السابعة، وموسى في السادسة، فتبصّر بإمعان، والله تعالى أعلم.

وقوله: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى"، كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة.

قال الحافظ: ولعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله".

ووقع في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبريّ بعد ذكر إبراهيم في السابعة: "فإذا هو بنهر، فذكر أمر الكوثر، قال: ثم خرج إلى سدرة المنتهى" وهذا موافق للجمهور.

ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلوّ البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها. انتهى.

وقوله: "ودنا الجبار ربُّ العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى"، في رواية ميمون المذكورة: "فدنا ربك - عَزَّ وَجَلَّ -، فكان قاب قوسين أو أدنى".

قال الخطابيّ: ليس في هذا الكتاب - يعني: صحيح البخاري - حديث أشنع ظاهرًا ولا أشثع مَذَاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما. هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلَّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قُصاراه إما ردّ الحديث من أصله وإما الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره، فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرَّح فيهما بأنه كان رؤيا؛

طور بواسطة نورين ميديا © 2015