من يشاء من صالحي عباده، ومن هذا النوع ما يقال عليه: فِراسةٌ، وتوسُّم،
كما قد رواه الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اتَّقوا فِراسة المؤمن، فإنَّه ينظر بنور الله" (?)، ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75]، وقد تقدَّم القول في نحو هذا، وقد قال
بعضهم: إن معنى محدِّثين: مكلَّمون، أي: تكلِّمهم الملائكة، قال: وهذا
راجعٌ لِمَا ذكرته، غير أن ما ذكرته أعمّ، فقد يخلق الله تعالى الأحاديث بالغيب
في القلب ابتداء من غير واسطة مَلَك، وقال بعضهم: إن معناه أنهم مصيبون
فيما يظنونه، وإليه ذهب البخاريّ، وهذا نحو من الأول، غير أن الأوَّل أعمّ،
والله أعلم. انتهى (?).
وقال في "الفتح": قال الأكثر: المحدَّث - بالفتح - هو الرجل الصادق
الظنّ، وهو مَن أُلقي في رُوعه شيء من قِبَل الملأ الأعلي، فيكون كالذي حدَّثه
غيره به، وبهذا جزم أبو أحمد العسكريّ.
وقيل: مَن يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مُكَلَّم؛ أي:
تكلّمه الملائكة بغير نبوّة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدريّ، مرفوعًا،
ولفظه: "قيل: يا رسول الله، وكيف يُحَدَّث؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه"،
قال الحافظ: رَوَيناه في "فوائد الجوهريّ"، وحكاه القابسيّ، وآخرون، ويؤيده
ما ثبت في الرواية المعلّقة (?)، وَيحْتَمِل ردّه إلى المعنى الأول؛ أي: تكلمه في
نفسه، وإن لَمْ يَرَ مُكلِّمًا في الحقيقة، فيرجع إلى الإلهام.
وفسّره ابن التين: بالتفَرُّس، ووقع في "مسند الحميديّ " عقب حديث
عائشة - رضي الله عنها -: "المحدَّث: الْمُلْهَم بالصواب الذي يُلْقَى على فيه".
وعند مسلم من رواية ابن وهب: "ملهمون"، وهي الإصابة بغير نبوة (?)،