حقيقيًّا، وهذا هو الظاهر، وقال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره،
ولا يُنْكَر كونها تتوضأ حقيقةً؛ لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن
كان لا تكليف فيها، فذاك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله: "توضأ إلى
جانب قصر" أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير الحقيقة، ورؤيا المنام لا
تُحمل دائمًا على الحقيقة، بل تَحتمل التأويل، فيكون معنى كونها تتوضأ أنها
تحافظ في الدنيا على العبادة، أو المراد بقوله: "توضأ"؛ أي: تستعمل الماء
لأجل الوضاءة على مدلوله اللغويّ، وفيه بُعْد.
قال الجامع عفا الله عنه: كون الوضوء حقيقيًّا هو الحقّ، كما هو ظاهر
الحديث، كما أسلفته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وأغرب ابن قتيبة، وتبعه الخطابيّ، فزعم أن قوله: "تتوضأ"
تصحيف، وتغيير من الناسخ، وإنما الصواب امرأة شوهاء، ولم يستند في هذه
الدعوى إلا إلى استبعاد أن يقع في الجنة وضوء؛ لأنه لا عمل فيها، وعدم
الاطلاع على المراد من الخبر لا يقتضي تغليط الحفاظ، ثم أخذ الخطابيّ في
نقل كلام أهل اللغة في تفسير الشوهاء، فقيل: هي الحسناء، ونقله عن أبي
عبيدة، وإنما تكون حسثاء إذا وُصفت بها الفَرَس، قال الجوهريّ: فرس شوهاء
صفة محمودة، والشوهاء: الواسعة الفم، وهو مستحسن في الخيل، والشوهاء
من النساء: القبيحة، كما جزم به ابن الأعرابيّ وغيره.
وقد تعقب القرطبيّ كلام الخطابيّ، لكن نَسَبه إلى ابن قتيبة فقط، قال ابن
قتيبة بدل تتوضأ: شوهاء، ثم نقل أن الشوهاء تُطلق على القبيحة والحسناء.
قال القرطبيّ: ووضوء هذه المرأة في الجنّة إنما هو لتزداد حُسْنًا ونورًا،
لا لتزيل وَسَخًا، ولا قَذَرًا؛ إذ الجنة مُنَزَّهة عن ذلك، وهذا كما قال في
الحديث الخر: "أمشاطهم الذهب، ومَجَامِرُهم الأَلُوّة"، متّفقٌ عليه (?).
وقال في "الفتح" (?): وقد ترجم عليه البخاري في "كتاب التعبير": "باب
الوضوء في المنام"، فبَطَل ما تخيّله الخطابي. انتهى.
وقال الكرمانيّ: قوله: "تتوضّأ" من الوضاءة، وهي النظافة والحسن،