والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء
السبعة، وفيه أبو هريرة -رضي الله عنه- رأس المكثريثن السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ)، وفي رواية البخاريّ: "قال: أخبرني سعيد بن
الْمُسَيِّب، أن أبا هريرة قال: بينا نحن جلوس ... ". (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -رضي الله عنه-
(عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ) هي "بين الظرفيّة"، أُشبعت
فتحتها فتولّدت منها الألف، قال في "اللسان": أصل "بينا": "بَيْنَ"،
فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، ويقال: "بينا"، و"بينما"، وهما ظرفا زمان
بمعنى المفاجأة، وُيضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر،
ويحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون
فيه "إذ"، و"إذا"، وقد جاءا في الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيدٌ جالسٌ دخل
عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقَة بنت النعمان
[من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ (?)
وقوله: (إِذْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء، والضمير للمتكلّم، وفيه وقوع الفاعل
والمفعول ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، وهو مختصّ بأفعال القلوب،
قال الله عزوجل: {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)} [العلق: 7]، وأُلحقت في ذلك "رأى" الحُلميّة
والبصريّة بكثرة، نحو {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، وقول الشاعر [من
الكامل]:
وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمِيْنِي تَارَةً وَأَمَامِي
وأُلحقت أيضًا "عَدِمَ"، و"فَقَد"، و"وَجَدَ" بمعنى "لَقِيَ " بقلّة، دون با قي
الأفعال، فلا يقال: ضربتني، ولا ظلمتني، اتّفاقصا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا،
بل يقال: ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، ونما جاز ذلك في
أفعال القلوب؛ لأن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها،