الحافظ كيف أقرّ القرطبيّ في قوله هذا، وقد علم أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للجارية:

"أين الله؟ قالت: في السماء"؟ وقد أجاد سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله في تعليقه

على "الفتح"، حيث قال ردًّا على هذا الإنكار: الصواب عند أهل السُّنَّة

وصْف الله سبحانه وتعالى بأنه في جهة العلوّ، وأنه فوق العرش، كما دلّت على ذلك

نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويجوز عند أهل السُّنَّة السؤال عنه بأين، كما في

"صحيح مسلم" أن النبيّ كليم قال للجارية: "أين الله؟ قالت: في السماء ... "

الحديث. انتهى كلام الشيخ ابن باز، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى

أعلم.

وقوله: "وإن العقل لا يحسِّن، ولا يقبّح" فيه نظر أيضًا؛ لأن الصحيح

من مذهب أهل السُّنَّة أن العقل يحسّن، ويقبّح، وقد حقّقت ذلك في "التحفة

المرضيّة" في الأصول تحقيقًا مستفيضًا، فراجعها (?)، وقال الشيخ ابن رحمه الله

على كلام الحافظ المذكور: هذا قول بعض أهل السُّنَّة، وذهب بعض المحقّقين

منهم إلى أن العقل يُحسّن وبُقبّح؛ لِمَا فَطَر الله عليه العباد من معرفة الحَسَن

والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهيّة تأمر بالحسن، وتنهى عن القبيح، ولكن

لا يترتّب الثواب والعقاب على ذلك إلا بعد بلوغ الشرع، كما حقّق ذلك

العلامة ابن القيّم رحمه الله في "مفتاح دار السعادة"، وهذا هو الصواب، والله

أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن رحمه الله، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى

أعلم.

17 - (ومنها): بيان أن الة تعالى فيما يقضيه حِكَمأ وأسرارًا في مصالحَ

خفية، اعتبرها، كلُّ ذلك بمشيئته، وإرادته، من غير وجوب عليه، ولا حُكْم

عقل يتوجه إليه، بل بحَسَب ما سبق في علمه، ونافذ حُكمه، فما أطلع الخلق

عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وإلا فالعقل عنده واقف، فليحذر المرء من

الاعتراض والإنكار، فإن مال ذلك إلى الخيبة وعذاب النار- أعاذنا الله منها

برحمته.

قال القرطبيّ رحمه الله: ولننبه هنا على مغلطتين:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015