تعالى به خلقه من شريعته يجب أن يكون حجةً على العقول، ولا تكون العقول
حجةً عليه، ألا ترى أن إنكار موسى عليه السلام كان صوابًا في الظاهر، وكان غير
ملوم فيه، فلما بَيَّن الخضر وجه ذلك صار الصواب الذي ظهر لموسى في
إنكاره خطأً، والخطأ الذي ظهر له من فعل الخضر صوابًا، وهذا حجة قاطعة
في أنه يجب التسليم لله تعالى في دينه، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- في سُنَّته، واتّهام العقول،
إذا قَصَرت عن إدراك وجه الحكمة فيه. انتهى (?).
13 - (ومنها): أن قوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} يدلّ على أنه فَعَله
بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفساً لِمَا يتوقع وقوعه منها؛ لأن الحدود لا
تجب إلا بعد الوقوع، وكذا لا يُقطع على أحد قبل بلوغه؛ لأنه إخبار عن
الغيب، وكذا الإخبار عن أخذ الملِك السفينة، وعن استخراج الغلامين الكنز،
لأن هذا كله لا يُدرَك إلا بالوحي.
14 - (ومنها): أن الحديث جليل واضح، وحجة ظاهرة لنبوة
الخضر عليه السلام، فقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82]، وقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ
أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82] الآية أدلّ دليل، على ذلك، فتأمله بالإنصاف.
15 - (ومنها): ما قال القاضي عياض رحمه الله: فيه جواز إفساد بعض المال
لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام، وقطع بعض آذانها؛ لِتُمَيَّز (?).
16 - (ومنها): بيان أن الله تعالى يفعل في مُلكه ما يريد، ويحكم في
خلقه بما يشاء، مما ينفع، أو يضرّ، فلا مدخل للعقل في أفعاله، ولا معارضة
لأحكامه، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم، فإن إدراك العقول لأسرار
الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حُكمه لِمَ، ولا كيف، كما لا يتوجه عليه في
وجوده أين وحيث، وإن العقل لا يحسِّن، ولا يقبّح، وأن ذلك راجع إلى
الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حَسَن، وما قبَّحه بالذمّ فهو قبيح، قاله في
"الفتح" نقلًا عن القرطبيّ (?).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "كما لا يتوجه في وجوده أين" عجيب من