[المغلطة الأولى]: وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكًا
بهذه القصة، وبما اشتملت عليه، وهذا إنما يصدر ممن قَصَر نظره على هذه
القصة، ولم ينظر فيما خص الله به موسى عله السلام من الرسالة، وسماع كلام الله
تعالى (?)، وإعطائه التوراة، فيها عِلْم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم
داخلون تحت شريعته، ومخاطَبون بحُكم نبوته، حتى عيسى عليه السلام، وأدلة ذلك
في القرآن كثيرة، ألا ترى أن الله تعالى قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} الآية [المائدة: 44]، والإنجيل، وإن
كان هدى فليس فيه من الأحكام إلا قليل، ولم يجىء عيسى عليه السلام ناسخًا
لأحكام التوراة، بل معلّمًا لها، ومبيّنًا أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه:
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)} الآية [آل عمران: 48]، وعلى
هذا فهو أَمَامَهُمْ، وإِمامهم، وأعلمهم، وأفضلهم، ويكفي من ذلك قوله تعالى:
{قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ
الشَّاكِرِينَ (144)} [الأعر اف: 144].
وأن موسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وأن أول من ينشق عنه القبر
نبيّنا -صلى الله عليه وسلم-، فيجد موسى-صلى الله عليه وسلم- متعلقًا بالعرش، وأنه ليس في محشر يوم القيامة
أكثر من أمَّته بعد أمَّة نبيّنًا -صلى الله عليه وسلم-، إلى غير ذلك من فضائله.
وأما الخضر وإن كان نبيًّا فليس برسولٍ باتفاق، والرسول أفضل من نبيِّ
ليس برسول، ولو تنزّلنا على أنه رسول، فرسالة موسى أعظم، وأمّته أكثر فهو
أفضل، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل، وموسى
أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبيّ، بل وليّ، فالنبي أفضل من الوليّ،
وهو أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافرٌ؛ لأنه أمر معلوم من
الشرع بالضرورة.