على أن أُبيًّا فسَّر، لا أنه قرأ كذلك؟ لأنَّه لم يُثْبِتْها في المصحف، وهو من
جُملة كَتَبتِه، والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ من التكليف، وقد ذهب
ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف، وقد حكي ذلك عن ابن عباس كما تقدَّم،
والصحيح عنه أنه كان صغيرًا لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروريّ،
كما ذكرناه في "الجهاد"، وهذا هو المعروف من اسم الغلام، كما قد تقدَّم،
وإنما صار ابن جبير إلى ذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: كان كافرًا، والكفر والإيمان من
صفات المكلَّفين، ولا يطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبَوَا
الغلام كانا مؤمنين بالنصّ، فلا يَصْدُق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن
يصار إليه، وقد يُطلق الغلام على الكبير إذا كان قريبًا من زمان الغلومية توسّعًا،
وهو موجود في كلام العرب، كما قالت ليلى الأخيلية [من الطويل]:
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا ... غُلامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا
وقال صفوان لحسَّان [من الطويل]:
تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّنِي ... غُلامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ
قال القرطبيّ: وما صار إليه الجمهور أَولى تمسُّكًا بحقيقة لفظ الغلام،
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وأما الغلام فطُبع يوم طُبع كافرًا"؛ أي: خُلق قلبه على صفة قلب
الكافر من القسوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: "ولو أدرك
لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا"؛ أي: أَبُو بلغ، ولَمَّا عَلِم الله تعالى ذلك منه، أعلمَ
الخضر بذلك، وأمَره بقتله، فيكون قَتْله من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات،
والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكال
على أصول أهل السُّنَّة فيه؛ فإن الله تعالى الفعَّالُ لِمَا يريد، القادر على ما
يشاء، لا يتوجه عليه وجوبٌ، ولا حقّ، ولا يثبت عليه لَوْمٌ ولا حُكْم، وأما
على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وما يتولَّد على ذلك
من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا
يُلتفت إليها، ولا يُعرّج عليها؛ لظهور فسادها، كما بيَّنَّاه في الأصول.
انتهى (?)، والله تعالى أعلم.