فقال: "ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره
من البحر"، وهو تفسير للّفظ الذي وقع هنا، ذكر هذا كله في "الفتح" (?).
(قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ) ابن عبّاس -رضي الله عنهما-؛ لأن سعيدًا روى الحديث
عنه، لا عن أبيّ -رضي الله عنه-، وقال بعض الشرّاح (?): هو أبيّ، وهو غير صحيح،
فتنبّه.
وهذه القراءة شاذّة، ولعله زادها من باب تفسير المراد، والله تعالى
أعلم.
(يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ، يَاْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)؛ أي: بزيادة هذا
اللفظ، (غَصْبًا) قال القرطبيّ المفسّر رحمه الله: قرأ ابن عباس وابن جبير:
"صحيحة"، وقرأ أيضًا ابن عباس، وعثمان بن عفان: "صالحة".
[تنبيه]: "وراء" أصلها بمعنى خَلْف، فقال بعض المفسرين: إنه كان
خَلْفه، وكان رجوعهم عليه.
والأكثر على أن معنى "وراء" هنا أمام، يعضده قراءة ابن عباس وابن
جبير: "وكان أمامهم ملك يأخذكل سفينة صحيحة غصبًا"، قال ابن عطية:
"وراءهم" هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الالفاظ إنما تجيء مُرَاعًى بها
الزمان، وذلك أن الحدث المقدَّم الموجود هو الأمام، والذي يأتي بعده هو
الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي، وتأمل هذه الالفاظ
في مواضعها حيث وردت تجدها تطّرد، فهذه الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم
وسعيهم ياتي بعده في الزمان غصبُ هذا الملك، ومن قرأ: "أمامهم" أراد: في
المكان؛ أي: كأنهم يسيرون إلى بلد، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الصلاة أمامك"، متّفقٌ
عليه، يريد: في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في
الزمان، وتأمل هذه المقالة، فإنها مريحة من شَغَب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة
في كتاب الطبريّ: "وكان وراءهم ملك" قال قتادة: أمامهم، ألا تراه يقول:
"من ورائهم جهنم"، وهي بين أيديهم، وهذا القول غير مستقيم، وهذه هي