وفي لغة: وَدَدْتُ أَوَدُّ، بفتحتين، حكاها الكساليُّ، وهو غَلَطٌ عند البصريين،
وقال الزجاج: لم يقل الكسائيُّ إلا ما سَمِع، ولكنه سمعه ممن لا يوثَق
بفصاحته، ذَكَره الفيّوميّ (?).
(أنَّهُ)؛ أي: موسى، (كَانَ صَبَرَ) الظاهر أن "كان" زائدة، كما قال في
"الخلاصة":
وَقَدْ تُزَادُ "كَانَ" فِي حَشْوٍ كَمَا ... "كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا"
(حَتى يُقَصَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى يقصّ الله تعالى في كتابه، وفيما
يوحيه إليّ، (عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا، )؛ أي: فنسمع العجائب والغرائب.
(قَالَ) ابيّ بن كعب -رضي الله عنه- (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى
نِسْيَانًا"، قَالَ: أوَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمّ أوّله، قيل: هو الصُّرَد، بضم المهملة،
وفتح الراء، وفي "الرحلة" للخطيب أنه الْخُطاف. (حَتَى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ
السَّفِينَةِ)؛ أي: طَرَفها، (ثُمَّ نَقَرَ)؛ أي: أصاب بمنقاره (فِي الْبَحْرِ)؛ أي: منه،
فـ "في" بمعنى "من". (فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ، إِلا
مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ") لفظُ النقص ليس على ظاهره؛ لأن
علم الله تعالى لا يدخله النقص، فقيل: معناه: لم يأخذ، وهذا توجيه حسنٌ،
ويكون التشبيه واقعًا على الأخذ، لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أن المراد:
بالعلم المعلوم، بدليل دخول حرف التبعيض؛ لأن العلم القائم بذات الله تعالى
صفة قديمةٌ لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقال الإسماعيليّ: المراد:
أن نقص العصفور لا ينقص البحر بهذا المعنى، وهو كما قيل [من الطويل]:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
أي: ليس فيهم عيب، وحاصله: أن نفي النقص أُطلق على سبيل
المبالغة، وقيل: "إلا" بمعنى: "ولا"؛ أي: ولا كنقرة هذا العصفور.
وقال القرطبيّ: من أطلق اللفظ هنا تجوَّز؛ لِقَصْده التمسّك والتعظيم؛ إذ
لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته.
وقد وقع في رواية ابن جريج بلفظٍ أحسنَ سياقًا من هذا، وأبعد إشكالًا،