والنصول هنا: الثبوت في الأرض، من قولهم: نصل السَّهم: إذا ثبت في
الرَّميَّة، فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة؛
فإنَّ الفاس يقع فيها، ويثبت، ولا يكاد يخرج، والمجاز موجود في القرآن،
والسُّنَّة، كما هو موجودٌ في كلام العرب، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في
الأصول. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (?).
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة وقوع المجاز في القرآن والسُّنَّة، وفي
كلام العرب عمومًا قد استوفيت البحث فيها في "التحفة المرضيّة" (?)،
و"شرحها"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(يَقُولُ) الراوي مفسّرًا قوله تعالى: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} معناه: (مَائِلٌ)؛ أي:
انحرف عن الاستقامة، وكاد يسقط. (قَالَ الْخَضِرُ) عليه السلام (بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقامَهُ)؛
يعني به: أنه أشار إليه بيده، فقام، قال القرطبيّ: فيه دليل على كرامات
الأولياء، وكذلك كل ما وُصف من أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها
أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزّلنا على أنه وليّ، لا نبيّ، وقد اختلف فيه أئمة
أهل السُّنَّة، والظاهر من مساق قصته، واستقراء أحواله، مع قوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ
عَنْ أَمْرِي} أنه نبيّ يوحى إليه بالتكاليف، والأحكام، كما أوحي إلى الأنبياء،
غير أنه ليس برسول. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بكون الخضر وليًّا ضعيف جدًّا؛ لمخالفته
ظواهر الكتاب والسُّنَّة، وسيأتي تحقيقه- إن شاء الله تعالى.
(قَالَ لَهُ مُوسَى)؛ أي: قال للخضر لَمّا أقام ذلك الجدار بدون أجر
يتقوون به في سفرهما، (قَوْمٌ أتيْنَاهُمْ، فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ
لَتَخِذْتَ (?) عَلَيْهِ أَجْرًا) قال القرطبيّ: هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو،
ويعقوب، وقراءة غيرهم: (لَاتَّخَذْتَ)، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ،
وهذه صدرت من موسى سؤالًا على جهة العرض، لا الاعتراض.