وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها، ويعفو الله عن الحريري؛ فإنَّه
استَخَفَّ في هذه الآية، ومَجَّن، فاستدل بها على الكُدْيَةِ، والإلحاح فيها؛ وأن
ذلك ليس بعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال [من الطويل]:
فإنْ رُدِدتَّ فَمَا بَالردِّ مَنقَصَةٌ ... عَلَيْكَ قَدْ رُدَّ مُوسَى قَبْلُ وَالْخَضِرُ
وهذا لعبٌ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي: شنشنة أدبية،
وهفوة سخافية، ويرحم الله السَّلف الصالح، فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي
عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك. انتهى
كلام القرطبيّ (?).
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أقول: سامح الله القرطبيّ في هذا الهجوم
الذي هاجم به الحريريّ، واتّهمه بالسخافة والمجون، فأي ذنب اقترفه، فإنه ما
زاد في بيته على ما أسلفه القرطبيّ نفسه في تقرير حال الخضر وموسى عليه السلام.
ومعنى البيت الذي قاله هو معنى قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا
أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} الآية [الكهف: 77]، هاياك ثم إياك أن تتّهم مسلمًا
بالمجون، أو الزندقة إلا ببيّنة واضحة، فإن هذا مزلّة أقدام، وهفوة أقلام،
عافانا الله من ذلك بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم آمين.
{فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} الجدار:
الحائط، و {يَنْقَضَّ}: يسقط، قال القرطبيّ رحمه الله: وصفُهُ بالإرادة مجاز،
مستعمل، وقد فسّره في الحديث بقوله: "يقول: مائل"، فكان فيه دليل على
وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، ومما يدلّ على استعمال ذلك
المجاز وشهرته، قول الشاعر [من الوافر]:
يُرِيدُ الرُّمحُ صَدْرَأبي بَراءٍ ... وَيرْغَبُ عَنْ دِماء بَنِي عَقِيلِ
وقال آخر [من الخفيف]:
إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِسَلْمَى ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ
وقال آخر [من الكامل]:
فِي مَهْمَهٍ فُلِقَت به هاماتُنَا ... فَلْقَ الفُؤُوسِ إِذَا أَرَدْنَ نُصُولَا