قال: وقوله: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}؛ أي: بلغت مبلغًا تُعذر به في
ترك مصاحبتي، وقرأ الجمهور: {مِنْ لَدُنِّي} بضم الدال، إلا أن نافعًا وعاصمًا
خفَّفا النون، فهي "لدن" اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي، وفرسي،
وكُسر ما قبل الياءكما كُسر في هذه.
وقرأ أبو بكر عن عاصم: "لَدْنِي" بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف
النون.
وروي عن عاصم: "لُدْني" بضم اللام وسكون الدال، قال ابن مجاهد:
وهي غلط، قال أبو علي: هذا التغليط يُشبه أن يكون من جهة الرواية، فأما
على قياس العربية فهي صحيحة.
وقرأ الجمهور: "عُذْرًا"، وقرأ عيسى: "عُذُرا" بضم الذال. وحكى الداني
أن أُبيًّا روى عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "عُذْرِي" بكسر الراء وياء بعدها (?).
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ}، وفي رواية: "أهل قرية لئامًا"، قال
قتادة: القرية أيلة، وقيل: أنطاكية، و"لئام" هنا: بخلاء، واللؤم في الأصل:
هو البخل، مع دناءة الآباء. {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} الاستطعام: سؤال الطعام،
والمراد به هنا: أنهما سألا الضيافة، بدليل قوله تعالى: {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا}
[الكهف: 77]؛ فاستحقّ أهل القرية أن يُذمُّوا، وُينسبوا إلى اللؤم، كما وصفهم
بذلك نبيّنا -صلى الله عليه وسلم-، ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر
وموسى إنما سألا ما يجب لهما من الضيافة، وهذا هو الألْيَق بحال الأنبياء
والفضلاء، وبعيد أن يُذَمّ من تَرَك المندوب هذا الذم، مع أنه يَحْتَمِل أن يقال:
إن الضيافة لمّا كانت من المكارم المعروفة المعتادة عند أهل البوادي، ذُمَّ
المتخلف عنها عادةً، كما قد قالوا: "شر القُرى التي تبخل بالقِرى"، ويَحْتَمِل
أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاع
وجب عليه أن يطلب ما يردُّ به جوعه، ففيه ما يدل على جواز المطالبة
بالضيافة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن نزلتم بقوم، فَأَمَر لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا،
فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حقّ الضيف"، متّفق عليه.