{بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} هذا قول أبْرَزه من موسى عليه السلام استحياؤه من كثرة المخالفة،

وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة.

وقال المفسّر (?): هذا شرط، وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم،

وأحقّ الشروط أن يُوفَى به ما التزمه الأنبياء، والتُزِم للأنبياء (?).

وقوله تعالى: {فَلَا تُصَاحِبْنِي} كذا قرأ الجمهور؛ أي: تتابعني، وقرأ

الاعرج: "تَصْحَبَنّي" بفتح التاء، والباء، وتشديد النون، وقرئ: "تَصْحَبْني"؛

أي: تتبعني، وقرأ يعقوب: "تصحبني" بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل

عن أبي عمرو، قال الكسائي: معناه: فلا تتركني أصحبك (?).

{قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}؛ أي: قد صرت عندي معذورًا، وقد تقدَّم

الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغات، وقرئت: (مِنْ لَدْنِي) بضم

الدال، وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي

بكر عن عاصم، وبضم الدال، وتشديد النون، والأُولى لنافع، والثالثة للباقين،

قاله القرطبيّ (?).

قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت لغات "لدن" بقولي:

"لَدُنْ"لَهَامِنَ اللُّغَاتِ مَايَلِي ... لَدُنْ بِفَتْحٍ ثُمَّ ضَمٍّ يَنْجَلِي

لَدْنٌ كَفَلْسٍ لَدِنٌ كَكَتِفِ ... لُدْنٌ كَقُفْلٍ وَكَجَيْرِ فَاعْرِفِ

وَلَدْ كَلَمْ وَلُدُ كَمُذْ ثُمَّ لَدَى ... مِثْلُ قَفَا كَذَا لُدُنْ قَدْ وَرَدَا

بِضَمَّتَيْنِ وَكَذَا لُدُ احْذِفَا ... نُونأ فَتِلْكَ عَشَرَةٌ خُذْ مُنْصِفَا

أَوْرَدَهَا الْمَجْدُ لَدَى كِتَابِهِ ... أَعْنِي بِهِ "الْقَامُوسَ" فَلْتُعْنَ بِهِ

وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}: هذا يدلّ على

قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقًا، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع، قاله

ابن العربي، وقال ابن عطية: ويُشبه أن تكون هذه القصة أيضًا أصلا للآجال

في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام المتلوَّم ثلاثة، فتأمله (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015