فاعترض، وسأل، قال علماؤنا: إنما كان ذلك منه؛ لأن الصبر أمر مستقبل،

ولا يدرى كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال،

فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه.

ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسبًا لنا، بخلاف فعل المعصية

وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا، والله أعلم.

(قَالَ لَهُ)؛ أي: لموسى، (الْخَضِرُ: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى

أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}؛ أي: حتى أكون أنا الذي أُفسّره لك، هذا من الْخَضِر

تأديبٌ، وإرشادٌ لِمَا يقتضي دوامَ الصُّحبة، ووعدٌ بانه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من

العجائب، فلو صبرَ، ودَأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثر من الاعتراض، فتعيَّن

الفِراق والإعراض.

(قَالَ) موسى عليه السلام (نَعَمْ)؛ يعني: لا أسألك عن شيء حتى تحدّثني به

أنت. (فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى) لم يذكر معهما فتى موسى، فيَحْتَمِل أنه لم يكن

معهما بل تخلّف عنهما، ويَحْتَمِل أنه معهما ولكن اكتُفي بذكر المتبوع عن

التابع.

(يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ)؛ أي: على شاطئ البحر، والجمع:

سواحل، (فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ)؛ أي: كلّم الخضر وموسى أصحاب

تلك السفينة، وفي رواية: "فكلموهم" بالجمع، قال في "الفتح": ضم يوشع

معهما في الكلام لأهل السفينة؛ لأن المقام يقتضي كلام التابع. (أَنْ

يَحْمِلُوهُمَا) عليها، والظاهر أن يوشع لم يركب معهما؛ لأنه لم يقع له ذِكر بعد

ذلك. (فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ أي: بغير شيء ناله أصحابُ

السفينة منهما؛ أي: بغير جُعل، والنَولُ، والنَّالُ، والنَّيْلُ: العطاء، وفيه ما يدلُ

على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحًا، ما لم يتسبَّب هو

بإظهار صلاحه لذلك، فيكون قد أَكَلَ بدينه، وذلك مُحرَّم، وربا (?).

(فَعَمَدَ)؛ أي: قصد، يقال: عمدت للشيء عَمْدًا، من باب ضرب،

وعَمَدت إليه: قصدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضًا (?). (الْخَضِرُ) عليه السلام (إِلَى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015