فـ (قَالَ) جازمًا في قضيته، لِمَا علمه من حالته: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ

صَبْرًا}؛ أي: إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن

الظواهر التي هي عِلمك لا تُعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ، ولم تُخْبَر

بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب، وهو معنى قوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ

تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}؛ أي: والأنبياء لا يُقِرُّون على منكر، ولا يجوز لهم

التقرير؛ أي: لا يسعك السكوت جريأ على عادتك وحُكمك، قاله القرطبيّ

المفسّر رحمه الله (?).

وقال أبو العبّاس القرطبيّ: معناه: إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال،

وأنت في ذلك كالمعذور؛ لأنَّك تشاهد أمورأ ظاهرة، ولا تَعرف بواطنها،

وأسرارها، وانتصاب {خُبْرًا} على التمييز المحوّل عن الفاعل، وقيل: على

المصدر الملاقي في المعنى؛ لأنَّ قوله: ، {مَا لَمْ تُحِطْ}؛ معناه: لم تُخْبَره، فكأنه

قال: لم تخبره خبرًا، وإليه أشار مجاهد، والخبير بالأمور: هو العالم

بخفاياها، وبما يُختبر منها (?).

(قَالَ) موسى عليه السلام {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} هذا

تفويض إلى الله تعالى في الصبر، وجزمٌ بنفي المعصية؛ وإنما كان منه ذلك؛

لأن الصبرَ أمر مستقبَل، ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزومٌ

عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه، والله تعالى أعلم.

ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسَبًا لنا، بخلاف فعل

المعصية، وتَرْكها، فإن ذلك كله مكتسَب لنا، قاله القرطبيّ رحمه الله (?).

وقال القرطبيّ المفسّر: قوله تعالى: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا}؛

أي: سأصبر بمشيئة الله {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}؛ أي: قد ألزمت نفسي طاعتك،

وقد اختُلِف في الاستثناء، هل هو يشمل قوله: {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} أم لا؟

فقيل: يشمله؛ كقوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35]، وقيل:

استثنى في الصبر، فَصَبَر، وما استَثْنَى في قوله: {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015