النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مسجد من مساجد المسلمين إلا كان في أهله ردَّة، إلا ما كان من
ثلاثة مساجد، وقتال أبي بكر -رضي الله عنه- لأهل الردة معلوم متواتر، وإذا كان كذلك
فيتعيَّن حمل هذا الحديث على ما ذكرناه.
وَيحْتَمِل أن يكون هذا خبرًا عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله تعالى
بمآل حالهم، وأنهم لا يزالون على هدي الإسلام، وشرعه، إلى أن يلقوا الله
تعالى، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- على هديه؛ إذ قد شَهِد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكثير منهم بذلك،
وشوهدت استقامة أحوالهم حتى توفاهم الله تعالى عليه.
وَيحْتَمِل أن يُحْمَل هذا الخبر على جميع الأمة، فيكون معناه الإخبارَ عن
دوام الدين، واتصال ظهوره إلى قيام الساعة، وأنه لا ينقطع بغلبة الشرك على
جميع أهله، ولا بارتدادهم، كما قد شَهِد بذلك الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع
الأمة، والأول أظهر من الحديث، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (?)،
وهو بحث حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا") وفي الرواية التالية: "ولكنّي
أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتَهْلَكوا كما هلك من كان
قبلكم"، فقوله: "أن تنافسوا فيها" بفتح المثناة، والأصل أن تتنافسوا، فحُذفت
إحدى التائين، والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء، ومحبة الانفراد
به، والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في نوعه، يقال: نافست في
الشيء مُنافسةً، ونَفَاسة، ويفاسًا، ونَفُس الشيء بالضم نَفاسة: صار مرغوبًا فيه،
ونَفِست به بالكسر: بَخِلت، ونَفِست عليه: لم أره أهلًا لذلك.
وقوله: "فتهلكوا"؛ أي: لأن المال مرغوب فيه، فترتاح النفس لِطَلَبه،
فتمْنَع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك (?).
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "ولكثي أخشى عليكم الدنيا ... إلخ" هذا
الذي توقعه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- هو الذي وقع بعده؛ فعمَّت الفتن، وعَظُمت الْمِحَن، ولم
ينج منها إلا من عُصِم، ولا يزال الْهَرْج إلى يوم القيامة، فنسأل الله تعالى عاقبة