لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم.
وقال أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب.
وهذا الشهرستاني، صاحب "نهاية الإقدام في علم الكلام" وَصَفَ حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله [من الطويل]:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ
ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
ولقد أجاد الإمام الصنعانيّ محمد بن إسماعيل صاحب "سبل السلام" رحمه اللهُ حيث ردّ عليه فقال [من الطويل]:
لَعَلَّكَ أَهْمَلْتَ الطَّوَافَ بِمَعْهَدِ الرْ ... رَسُولِ وَمَنْ وَالَاهُ مِنْ كُلِّ عَالِم
فَمَا حَارَ مَنْ يَهْدِي بِهَدْيِ مُحَمَّدِ ... وَلَسْتَ تَرَاهُ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (?)
قال الجامع عفا الله عنه: لو قال: وَوَاللهِ أَهْمَلْتَ إلخ، لكان أولى من "لعلّك" كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
وهذا أبو حامد الغزاليّ مع فَرْط ذكائه وتألّهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسُلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوّف، ينتهي في هذه المسائل إلى الوَقْف والْحَيْرة، ويُحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنّف "إلجام العوامّ عن علم الكلام" (?).
وقال الفخر الرازيّ في كتابه الذي صنّفه في أقسام اللَّذَّات، وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذّة العلم والمعرفة، وأشرف العلوم العلم الإلهي لشرف معلومه، وشدّة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: العلم بالذات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الوجود هل هو الماهيّة، أو زائد عليها، والعلم بالصفات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الصفات هل هي أمور وجوديّة زائدة على ذات