الموصوف، أم ليست بزائدة على الذات؟ والعلم بالأفعال، وعليه عُقْدَةٌ، وهي هل الفعل مقارن للفاعل، أو متراخٍ عنه؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد [من الطويل]:

نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْي الْعَالَمِينَ ضَلَالُ

وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ

وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا

وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا ... رِجَالٌ فَمَاتُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ

لقد تأملتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتها تَشْفِي عَلِيلًا، ولا ترْوي غَليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات قوله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]، و {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، واقرأ في النفي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، و {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، ثم قال: ومَنْ جرّب مثل تجربتي عَرَف مثل معرفتي.

قال الإمام ابن القيّم رحمه اللهُ بعد نقل كلام الرازيّ هذا ما نصّه: فليتأمّل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من الْعِبَر، فإنه لم يأت في المتأخّرين من حصّل من العلوم العقليّة ما حصّله، ووقف على نهاية أقدام العقلاء، وغايات مباحث الفضلاء، وضرب بعضها ببعض، ومَخَضَها أشدّ الْمَخْض، فما رآها تشفي علّة داء الجهالة، ولا تروي غُلّة ظمإ الشوق والطلب، وأنها لم تَحُلّ عنه عُقْدة واحدة من هذه العُقَد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب، فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله، فإنه شاكّ في ذات ربّ العالمين هل له ماهيّة غير الوجود المطلق يختصّ بها أم ماهيّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في صفاته، هل هي أمور وجوديّة، أم نِسَبٌ إضافيّة عدميّة؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في أفعاله، هل هي مقارنة له أزلًا وأبدًا لم تزل معه أم الفعل متأخّر عنه تأخّرًا لا نهاية لأمده، فصار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، فننظر في كتبه الكلاميّة قول المتكلّمين، وفي كتبه الفلسفيّة قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015