عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة - رضي الله عنهم - ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خَرَّجَهُ الترمذيّ: "ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه إلا أوتوا الْجَدَل"، وقال: إنه صحيح (?).

قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت 478 هـ)، فقد حَكَى عنه الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ.

وفي رواية عنه أنه قال عند موته: لقد خُضتُ البحر الخِضَمّ، وخلّيتُ أهل الإسلام وعلومهم، ودخلتُ فيما نَهَوْني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالوليل لابن الجوينيّ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: عقيدة عجائز نيسابور.

وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به (?).

وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015