- قال: وقد رَوَى فسخ الحجِّ إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع

الحارث بن بلال منهم؟

وأيضًا حديث أبي ذرّ - رضي الله عنه - موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه

مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك.

والحاصل أن أدلّة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل

التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة، والله تعالى

أعلم.

ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحبّ؟ :

فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه

قال ابن حزم، وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء،

ومجاهد، وإسحاق.

واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجة، وأبو يعلي، واللفظ لأحمد من

حديث البراء بن عازب - رضي الله عنهما -، قال: خرج رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، قال:

فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: "اجعلوا حجكم عمرة"، قال: فقال

الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ قال: "انظروا

ما آمركم به، فافعلوا"، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على

عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟ أغضبه الله،

قال: "وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أُتّبع".

قال ابن القيّم - رَحِمَهُ اللهَ -: ونحن نشهد الئه علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا

فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "، واتباعًا لأمره،

فوالله ما نُسِخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا

خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن سأله،

هل ذلك مختصّ بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم

على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على من

خالفه ... إلى آخر ما أطال ابن القيّم - رَحِمَهُ اللهَ - في "الهدي" نفسه في تحقيق هذا

المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته 2/

180 - 223.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015