وافترقا عن غير شيء، فلمّا رجعوا خالفت الحرورية عليًا، وقالوا: لا حكم إلا لله.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رَزِين قال: لَمّا وقع الرضا بالتحكيم، ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء، فبعث لهم عبدَ الله بنَ عباس فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي، فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر؛ لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله.
ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان: عبدُ الله بن وهب الراسي، وزيد بن حِصْن الطائي، وحُرْقُوص بن زهير السعدي، فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (?)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج:
قال النوويّ رحمه الله: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَلِيل لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رحمه الله: قَالَ الْمَازِرِيّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَكْفِير الْخَوَارِجِ، قَالَ: وَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَكُون أَشَدّ إِشْكَالًا مِنْ سَائِر الْمَسَائِل، وَلَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْمَعَالِي، وَقَدْ رَغِبَ إِلَيْهِ الْفَقِيه عَبْد الْحَقّ رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى فِي الْكَلام عَلَيْهَا، فَرَهبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْغَلَط فِيهَا يَصْعُبُ مَوْقِعُهُ؛ لأَنَّ إِدْخَال كَافِر فِي الْمِلَّة، وَإِخْرَاج مُسْلِم مِنْهَا عَظِيم فِي الدِّين، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلّانِيّ، وَنَاهِيك بِهِ فِي عِلْم الأُصُول، وَأَشَارَ ابْن الْبَاقِلّانِيّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ الْمُعَوِّصَات؛ لأَنَّ الْقَوْم لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَأَنَا أَكْشِف لَك نُكْتَة الْخِلاف، وَسَبَب الإِشْكَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ مَثَلًا يَقُول: إِنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ، وَحَيٌّ وَلا حَيَاةَ لَهُ، يُوقِع الالْتِبَاس فِي تَكْفِيره؛ لأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ دَيْن الأُمَّة ضَرُورَةً، أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لَيْسَ بِحَيٍّ، وَلا عَالِم كَانَ كَافِرًا، وَقَامَتْ الْحُجَّة عَلَى اسْتِحَالَة كَوْن الْعَالَم، لا عِلْم