وقال في "المرقاة": أي يتفاضلون في ارتفاعه، وكثرته، ويتفاخرون في حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جَعَلْتَ الرؤيةَ فعلَ البصيرة، أو حال إن جَعَلْتَها فعلَ الباصرة، ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا مِلْكًا أو مُلْكًا، فيتوطنون البلاد، ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها، فهو إشارة إلى تغلب الأراذل، وتذلّل الأشراف، وتولي الرئاسة من لا يستحقّها، وتعاطي السياسة من لا يُحْسِنُهَا، كما أن قوله: "أن تلد الأمة ربتها" إشارة إلى عكس ذلك.
وقيل: كلاهما إشارة إلى اتساع دين الإسلام، فيتناسب المتعاطفان في الكلام، ولعلّ تخصيصهما لجلالة خطبهما، ونباهة شأنهما، وقرب وقوعهما.
ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم، والفسق، والجهل، وبلوغها مبلغ العليا، والثانية إلى غلبة محبة الدنيا، ونسيان منازل العقبى، ويقال: تطاول الرجل: إذا تكبّر، فلا يرد ما ذكره ابن حجر (?) من قوله: التفاعل فيه بين أفراد الْعُراة الموصوفين بما ذُكر، لا بينهم وبين غيرهم مما كان عزيزًا فَذَلَّ، خلافًا لمن وَهِمَ فيه، وقال: المعنى أن أهل البادية العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد، ويتّخذون القصور الرفيعة، ويتكبّرون على العباد والزُّهّاد.
وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام يؤذن بأن لا يتناسب فيها المقام، فلا عيش إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام، كما أنشدت الملكة الْحُرَقَة بنت النعمان بن المنذر لَمّا سُبيت، وأُحضرت عند سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه -[من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
فهنيئًا لمن جَعَل الدنيا كساعة، واشتغل فيها بالطاعة، قيامًا بأمر الحبيب، فإن كلّ ما هو آتٍ قَريب، قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ