*ودون هؤلاء أيضًا: من يكره الموت؛ لأنه لم يقض بعد أشغاله، ولم يفرغ من استعداد جهازه للقاء ربه.

* وأما حكمة الله عز وجل في أن الموت لابد للمخلوق منه، فهي أنه سبحانه وتعالى خلق هذه الأرض وما عليها، والسموات وما فيها، بعض ذلك لينفع بعضاَ، وجزء لمصلحة كل، وكل لمصلحة جزء في تدبيره متيقن على رفقة محدودة مقصورة، وأنه سبحانه وتعالى خلق الأرض على مقدار علمه تتسمع لمقدار من الخلق يكون به، فلا ينزل نازل إلا بعد أن يرحل راحل، وكان في ذلك من حكمة الله سبحانه أن يقدر الأرض من بر وبحر، يعدل بذلك الهواء الذي يستنشقه ساكنوها من بين رطوبة البحر ويبس البر على مراح تركبت الآدمي، ثم خلق البحر مع خلجانه والأخام والأنهار والعيون ما يكون مناسباً للاعتدال في الإضافة إلى يبس التراب؛ فكأنه بمقدار لا يحتمل أن يزاد فيه ولا ينقص منه.

ولما كان من حكمته سبحانه دوام ذلك كذلك، وكان الماء إذا كان عذبًا فطال مكثه في مقر أنتن وعفن، جعل ماء البحر ملحًا أجاجًا؛ لما ذكر من ذلك، فإنه لو كان عذبًا فأنتن بطول المكث فمرت عليه الرياح أكسبتها نتنًا وعفنًا إذا استنشقه الآدميون والحيوانات، وأهلكهم ذلك، وليس من الأغذية للحيوانات ما لا نملكه (93/أ) يمكنه أن يصبر زمانين إلا الهواء، فعدل الله الهواء وأصحه للاستنشاق، خلقه له من الآدمي والحيوان الذي ينتفع الآدمي به بتعديل ما بين البر والبحر عذباً فأنتن، لم يتصور في هذه الدنيا حياة حيوان.

ولما كانت جبلة الآدميين لا تستسيغ إلا الماء العذب الذي جعل به سبحانه وتعالى حياة كل حي؛ جعل جل جلاله من الأرض عيوناً، تقذف الماء

طور بواسطة نورين ميديا © 2015