الحكمة أنكم إذا أقسمتم ثم خرجتم كان خروجكم وفاءً بالأيمان لا انقيادًا لموجب الإيمان، وإذا لم تقسموا ثم خرجتم كان ذلك دليل أمارة إيمانكم ومغنى عن تقديم إيمانكم هذا وجه.

ثم رأيت فيه وجهًا آخر، وهو أنه إذا أقسمتم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع علمكم أن الله سبحانه يطلعه على الغيب فيكم، وأنكم إن كنتم مؤمنين فإن الله تعالى يعلم ذلك أيضًا، فإذا أقسمتم على ما لا يستند إلى الأيمان فقد أشعرتم بأنكم لم تؤمنوا بأن الله يعلم ما في الصدور، فكيف يحلف العبد لربه أني مؤمن بك؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا}، وقوله سبحانه: {إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا} يعني أنه سبحانه أن الأواب هو الرجاع الذي يرجع إلى التوبة بعد الذنب، ثم يتكرر ذلك منه، ولذلك قيل له: أواب أي رجاع.

فإذا كان سبحانه للأوابين غفورًا، فكيف بالصالحين، ولم يقل فإنه كان للصالحين غفورًا، وفي هذا زيادة فائدة، وهو أن الغفر في حال الأوابين أوقع منه في حال الصالحين، فإن الله سبحانه إذا شهد لقوم بالصلاح فإن حالهم يقتضي رفع المنازل والدرجات على أن فيها إشارة إلى أن كل صالح غير آمن من حال يصدر عنه تتبعها الأوبة فيلحقها المغفرة فسبحان المتكلم بهذا القرآن. والغفر: هو الستر للهفوة والزلة، فهذا وجه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015