وقد علم كل منهم أن أعماله ختمت بالسعادة، ونجا من دار الفتنة، وإن من عداهم غير مأمون عليه، ولا هو على يقين من أمره، بل إن قدر له في عمره أو في عامه أو شهره فعلة صالحة ذكرها خاصة؛ ونسي باقي العمر والعام والشهر، وما كان فيه من الخطيئات، فأما كون الحبة والشعيرة من الإيمان في القلب، فقد تقدم قولنا في ذلك.

* وأما قوله: (أدنى أدنى أدنى) ثلاثا مكررا، فإنه أنما يستعمل ذلك فيما لا يوجد له اسم في القلة، فإن الذرة لها اسم، وعشر معشار الذرة لها اسم فهذا أدنى أدنى أدنى، وذلك فيما أراه لقد سكت واحد في عمره كله عن كلمة سيئة لأجل الله أو قال في عمره كله كلمة حسنة لأجل الله أو نظر لأجل الله سبحانه نظرة أو خطا خطوة، فإن قوله: أدنى أدنى أدنى يكون أول من ذلك فإنه يخرج من النار.

* وفيه أيضا أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - من حسن أدبه لم يقل يا رب أخرج من النار من قال: (165/أ) لا إله إلا الله محمدا رسول الله؛ بل قال: من قال لا إله إلا الله، فكان إخلال النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك من حسن الأدب، ومن زيادة الفقه والعلم؛ لأنه من قال: لا إله إلا الله لزمه بأن يعترف بأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن أمره من عند الله سبحانه وتعالى لم يتم، فإنه من قال: لا أله إلا الله، فقد اعترف أنه ليس في الوجود قادر على ما يشاء، قاهر لكل أحد إلا الله، فمن ظن أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - افترى على الله وتم له ذلك؛ فقد نقص قول لا إله إلا الله من حيث أنه جعل إلها مع الله سبحانه يفعل في الأرض ما لا يريده الله سبحانه.

* وفي هذا الحديث جواز تشفع القوم إلى الرجل الكريم في طلب العلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015