* قد مضى الكلام في ذكر الشفاعة.
* فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فأقوم بين يدي ربي فأحمده بتحميد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها). فالذي أراه فيه أن الله سبحانه يعلم من المحامد وحسن الأسولة بحسب ما يعلم أنه جل جلاله يقتضي (164/ب) زيادة المسئول فيه؛ لأنه لما كانت المسألة يومئذ في الخلق أجمعين، وما يسكن غضب الرب جل جلاله ويستدعي اللطف الذي يلحق الأعداء بالأولياء، علم جل جلاله لذلك المقام حمدا يناسبه وسؤالا يلائمه، فلا يعلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا، ولا يقدر عليه ليعلم الناس أنه هو جل جلاله الذي يثير سؤال السائلين لينعم، فتجمع في كل نعمة من نعمه يوصلها إلى عباده، وبين محمدة يسوقها إلى حبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الموقف، وعلى هذا فإن إحسانه موجود هكذا أبدا.
* وفي هذا الحديث ما ينبغي لمن سمعه أن يشتد خوفه، فإن آدم صلوات الله وسلامه عليه ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام كل منهم على شرف مقامه ومنزلته، واستمرار الإحسان منه، وندور الهفوة التي غفرت لهم، على كون كل منها لم يكن إل في طريق الجد في أمر الله تعالى، وإنهم كانوا على ذلك في يوم القيامة كل منهم ينسى كل حسنة كانت منه، ويذكر سيئة الواحدة، فما الظن لغيرهم في ذلك اليوم ممن مضى جل عمره وغالب دهره في السيئات وفظيع الزلات، وهو لا يذكر عند تقلبه إلا أنه ممن يشفع ويخاطب حتى مع كون أولئك قالوا ذلك في الدار الآخرة.