وهنالك حقيقة تاريخية أخرى لا يمنع الحياء عن تقريرها وتسجيلها، فإنها أمانة تاريخية، وهي أن من سمات علماء الهند البارزة أنهم قادوا الحركة الأدبية الإنشائية في شبه القارة الهندية، وكانوا من الدعائم القوية السامقة التي قام عليها قصر الأدب الرفيع والنثر الفني بعد ثورة 1857م، وكان كل واحد منهم مؤسس مدرسة أدبية خاصة لا يزال لها أنصار وأتباع ومقلدون، وكان كثير منهم رائد نشاط جديد في الإنشاء والتحرير والنقد وتاريخ الأدب والشعر، ولا تزال مؤلفاتهم هي المرجع الأصيل والعمدة في هذا الموضوع، فلم يكن في الهند ذلك الفصام النكد بين علوم الدين والأدب العصري ولغة البلاد، ولم تكن تلك الفجوة التي وقعت في بعض البلاد بين علماء الدين والشادين بالأدب الشعر والهائمين بهما، الفجوة التي جنت على الدين والأدب في وقت واحد.

في ضوء هذه الخلفيات والمراحل التي مر بها الشعب الهندي المسلم والعوامل التاريخية والنفسية التي خضع لها بحكم الطبيعة وسنة الله تعالى في خلقه، تكونت مدرسة إسلامية أدبية هندية لها مميزاتها وطابعها، لا يسوغ لمؤلف في تاريخ الأدب العربي والثقافة الإسلامية العامة أن يغض الطرف عنها ويبخس حقها، وبسبب كل ذلك اختلفت نظرة المعنيين بالآداب واللغات، والمدرسين والدارسين للغة العربية وآدابها – بصفة خاصة- إلى الأدب العربي وتقويمه، فلا يستطيعون – بحكم ارتباطهم بالإسلام- ونظرهم إلى اللغة العربية كلغة القرآن والحديث والسيرة ومفتاح مكتبة الإسلام – أن يفصلوا بين الأدب العربي والدين بل إنهم أصبحوا يعتقدون بعد دراستهم الأمينة المخلصة لثروة اللغة العربية وكنوزها الأدبية، أن الأدب العربي يستمد من الدين القوة والحيوية والجمال والتأثير، وكما قلت في مقدمة كتابي «مختارات من أدب العرب»:

«وقد كان هؤلاء الكتاب المؤمنون الذين ملكتهم فكرة وعقيدة، أو يكتبون لأنفسهم، يكتبون إجابة لنداء ضميرهم وعقيدتهم، مندفعين، منبعثين، فتشتعل مواهبهم، ويفيض خاطرهم، ويتحرق قلبهم، فتنثال عليهم المعاني، وتطاوعهم الألفاظ وتؤثر كتاباتهم في نفوس قراءهم لأنها خرجت منقلب فلا تستقر إلا في قلب»

كل هذا حمل أبناء هذه الدار التي تلتقون فيها أيها السادة! على أن يؤلفوا لأطفال المسلمين الذين يدرسون اللغة العربية في المدارس الهندية مقررات دراسية على هذا المنهج التربوي الإسلامي، من المرحلة الأولى إلى المرحلة الأخيرة، من قصص للأطفال، إلى سلسلة من القراء العربية، إلى مجموعات من «منثورات» و «مختارات» إلى رسائل عرض ونقد، للأدب العربي، إلى كتاب في تاريخ الأدب العربي (مع إشادة بالمدرسة العربية الهندية) لا يزال في دور التكوين والتأليف.

وبذلك نادى الكتاب والباحثون في هذه المؤسسة بالنظر الجدي، والتأمل الفاحص في هذا الموضوع، واستعراض المكتبة العربية من جديد، ذلك مع عدم إنكار قيمة أدب الفن وأدب التسلية والترفيه، وأدب الغزل والمدح، والأدب الذي ظهر لتحقيق أغراض مؤقتة شخصية وجماعية، فلكل قيمته، ومكانه الفسيح في مكتبة الأدب وفي قلوبنا، بل نتمتع به ونتذوقه، ونراه حاجة من حاجات الحياة، ومطلبا من مطالب الفطرة البشرية السليمة المرحة، ولكنها محاولة لإعطاء الأدب الهادف المفيد حقه، وإحلاله المحل اللائق والاهتمام به الاهتمام الجدير به.

ونحمد الله على أن هذا النداء لم يكن صيحة في واد، ونفخة في رماد، ولقد تجاوبت له الأوساط الأدبية في مهد اللغة العربية، وكبار الأساتذة والنقاد في الجامعات العربية، وقد سبق بعضهم إلى تبني هذه الفكرة واحتضانها، والدعوة إليها نذكر تقريرا للواقع، واعترافا بالفضل أستاذين جليلين، هما الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا ومعالي الشيخ السيد عبد العزيز الرفاعي والأستاذ محمد بريغش، فقد أنشؤوا مكتبة عامرة من قصص التاريخ الإسلامي وتعريفا بأبطال المسلمين وزعمائهم، والمغمورين من الأدباء والشعراء من الطراز الأول يستحقون بذلك شكر علماء التربية وأصحاب الدعوة للفضيلة وعشاق الأدب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015