ومن أسباب هذا الواقع الجغرافي التاريخي السياسي، تدفق شعر المديح النبوي وقوته وتأثيره، ورقته وعذوبته، فقد ابتكر هؤلاء الشعراء معاني وأخيلة، وجاؤوا بنبوات، لا مثيل لها في الأدب العربي عبر القرون، فقد ضعف هذا الصنف في الشعر العربي- بعد قصيدة البوصيري الميمية- وبعد نبويات سيدي عبد الرحيم البر عي – ضعفا شديدا- ولا يزال سر هذا، موضوع تفكير الباحثين وعلماء الأدب، وعلله بعضهم بالبعد والهجر، فلها تأثير في تفجير ينابيع القلب والحب وتوليد المعاني الغريبة وإثارة الكنوز الدفينة، وقد استعاض كثير منهم عن الرحلة الطويلة المملوءة بالأخطار في أطول مدة قضاها المسلمون فقد كان الزمن زمن القراصنة البحريين، وزمن السفن الشراعية، والطرق غير الآمنة، والانتقال من مكة إلى المدينة لم يكن مأمونا، وقوافل الحجاج تتعرض للخطر والغارة، استعاضوا عن كل ذلك بالشعر والتعبير عن حنينهم وأشواقهم ولم يزل الشعر بريد القلب والشوق، وهو الحمام الزاجل الذي لا يزاحمه شيء ولا يعوقه شيء، وإذا امتلأت الكأس طفحت، وإذا طفحت فاضت، ولا بد أن يعقب الري السكر، ولا بد أن يعقب السكر التغني، وما أجمل ما قاله الشاعر العربي

سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا ... جبال سليمى ما سُقيت لغنَّت

ثم جاء دور الحكم الإنجليزي الغاشم الحاقد على المسلمين، فقد كانوا منافسهم الأكبر في قيادة الركب الإنساني وتوجيهه الفكري والحضاري، وهم الذين قادوا الثورة عليهم سنة 1857م وتولوا كبرها، وزاد الطين بلة والطنبور غنة، الشعور بالحاجة إلى مواجهة الغزو الثقافي العقائدي الخلقي والحضاري، والاستعمار الداخلي الباطني وهو أضر بكثير من الاستعمار السياسي والإداري، فنبغ جيل جديد من الأدباء والكتاب والشعراء والمؤلفين، يقبلون هذا التحدي ويعارضون الحكم الإنجليزي وما يحمله من مخططات رهيبة دقيقة لإنشاء جيل جديد من المثقفين يحقق مآربهم وينفذ مخططاتهم وينسلخ عن الإسلام، بل ثائر عليه ومزور به.

هنالك نهض شعراء عصاميون عبقر يون مثل لسان العصر السيد أكبر حسين اكبر الإله أبادي، والعلامة الدكتور محمد إقبال، والشاعر المبتكر طفر علي خان، فلم ينشئوا في الجيل المثقف الجديد نخوة إسلامية فحسب، بل قوة المقاومة للتحديات الجديدة، وكراهة للحضارة الوافدة الدخيلة المستعبدة تارة في أسلوب شعر لاذع متهكم، وتنكيت قارص، كما فعل أكبر الإله آبادي [2]، وطورا في أسلوب جدي وشعر بليغ يتدفق قوة وحماسا، ويسيل رقة وعذوبة، وقد أحدثت فيهم الثقافة الغربية موجة رد فعل عنيفة في مشاعرهم وتفكيرهم، حولت شعرهم إلى شلال يتدفق بقوة وينحدر بقوة.

وحقيقة تاريخية غريبة أخرى تحتاج على دراسة أمينة محايدة، وتحليل نفسي تربوي، أن عددا كبيرا من الشباب المسلم الذكي من العواصم العربية ذات المركز القيادي في العلوم الدينية والآداب الإسلامي يمم الغرب ومكث في الجامعات الغربية الرئيسية خصوصا في انجلترا وفرنسا، لم يرجعوا إلى أوطانهم بالروح الحرة المنتقدة الثائرة على أسس الحضارة الغربية، ومثلها وقيمها، الواعية بأهداف الاستعمار الغربي البعيدة، ومخططاته الدقيقة الرهيبة، لصياغة الشرق الإسلامي، صياغة غربية إلحادية، متنكرة للإسلام ومع ثقة بصلاحية الإسلام لا للبقاء فحسب، بل للقيادة العالمية، ومع الحماس الزائد للإسلام، كما كان الشأن مع فيلسوف الشرق وشاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال، وزعيم حركة الخلافة الأكبر وزعيم حركة التحرير الكبير مولانا محمد علي دفين القدس ولا أزيد عل ذلك بتسمية طائفة من كتاب مصر وسوريا والمغرب العربي، والأدباء والمؤلفين منهم، الذين كادوا يحتكرون القيادة الفكرية والأدبية في الشرق العربي الإسلامي فترة غير قصيرة وكانوا القدوة والمثل الكامل، ليس للشباب الجامعي فحسب بل للشادين في اللغة العربية والنقاد فإنهم معلومون لدى السادة الحاضرين.

أما الدكتور محمد إقبال فاسمحوا لي أن أنقل هنا قطعة من مقدمتي «روائع إقبال» فإنها تصور في قوة وإيجاز أعظم ما اتصف به من سمات ومميزات.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015