«إن أعظم ما حملني على الإعجاب بشعره هو: الطموح، والحب، والإيمان، وقد تجلى هذا المزيج الجميل في شعره ورسالته، أعظم مما تجلى في شعر معاصر، ورأيت نفسي قد طبعت على الطموح والحب، والإيمان، وهي تندفع اندفاعا قويا إلى كل أدب ورسالة يبعثان الطموح، وسمو النفس، وبعد النظر، والحرص على سيادة الإسلام، وتسخير هذا الكون لصالحه، والسيطرة على النفس والآفاق، ويغذيان الحب والعاطفة ويبعثان الإيمان بالله، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعبقرية سيرته، وخلود رسالته، وعموم إمامته للأجيال البشرية كلها.»

إنني أحببته وشغلت به كشاعر الطموح والحب والإيمان، وكشاعر له عقيدة، ودعوة ورسالة، وكأعظم ثائر على هذه الحضارة الغربية المادية، وأعظم ناقد لها وحاقد عليها، وكداعية إلى المجد الإسلامي، وسيادة المسلم، ومن أكبر المحاربين للوطنية والقومية الضيقتين، وأعظم الدعاة إلى النزعة الإنسانية والجامعة الإسلامية.

وأشهد على نفسي أني كلما قرأت شعره جاش خاطري، وثارت عواطفي، وشعرت بدبيب المعاني والأحاسيس في نفسي، وبحركة للحماسة الإسلامية في عروقي، وتلك قيمة شعره وأدبه في نظري [3].

أما محمد علي فقد تجلت عبقريته في مقالاته الإنجليزية التي كان يحلى بها صدر صحيفته الأسبوعية الإنجليزية ( COMRصلى الله عليه وسلمعز وجلصلى الله عليه وسلم) والتي كانت تعتبر مثالا بليغا رائع للأدب الإنجليزي المتهكم اللاذع، الذي لا يقد عليه إلا من تذوق اللغة كأبنائها وأدبائها، فنوع التهكم والتنكيت في لغة، من أدق أنواع الأدب التي يصعب تقليدها وكانت مقالات ملتهبة بالحماس الإسلامي، والنقد اللاذع للحكم الإنجليزي، ويحرص على قراءتها الحكام الإنجليز، ويتلقفون كل عدد بلهف وشوق، وكذلك افتتاحياته لصحيفة «همدرد» التي خلفت كومريد فكانت قوية جريئة وله شعر قوي في أردو أبدى فيه عواطفه الإسلامية وميوله الجهادية، والحب للنبي صلى الله عليه وسلم وحب الموت للإسلام والشهادة في سبيله، حفظته الصدور وفاضت به الألسنة والأقلام.

أما ظفر علي خان منشئ صحيفة «زميندار» السيارة، فكان من كبار شعراء عصره ينظم القصائد الطوال عفو الساعة فيض الخاطر، وله اقتدار عجيب على القوافي الصعبة والبحور العويصة، وشعره حداء مثير للركب الإسلامي الناعس، ورجز مطرب للجيش الإسلامي المرابط، يمتاز بجزالة اللفظ وحلاوة الجرس وتدفق كتدفق العين المتفجرة، وما قاله من شعر في المديح النبوي من أقوى وأبلغ ما قيل فيه، في العصر الذي أدركته وقد كانت أعداد صحيفته تصادر وتمنع بين آونة وأخرى وكانت صحيفته تغرم بغرامات باهظة وهولا يمتنع عن النقد اللاذع للحكومة وللهندوس المتطرفين المهاجمين للإسلام والمسلمين.

لقد كان للحرب الكونية (1914 - 1918) وحملات الحلفاء، وتضعضع الخلافة العثمانية آثار سيئة على البلاد الإسلامية لاسيما الهند الإسلامية التي هب شعبها المسلم يدا واحدة لمناصرة الخلافة العثمانية وتأييد قضيتها وجعلها قضية الموت والحياة، وشغلها الشاغل، وكادت الخلافة العثمانية تنهار أمام الحملات الشرسة التي كان يشنها الحلفاء، دب الحماس في نفوس قلوب مسلمي الهند، واشتعلت العاطفة الإسلامية والجذوة الإيمانية بصفة عامة.

هنالك طلع على أفق القيادة الإسلامية- فضلا عن الصحافة الإسلامية- هلال جديد أصبح بدرا في مدة قريبة، وهو صحيفة «الهلال» لمولانا أبي الكلام آزاد، زعيم حركة الخلافة الكبير، ورئيس المؤتمر الوطني العام، ووزير التربية الأول في الجمهورية الهندية المستقلة، فكانت مقالاته في هذه الصحيفة في غاية القوة والبلاغة الأدبية، كأنها تكتب بقلم من نار، وهو الذي أدخل في اللغة الأردية الكلمات والتعبيرات القرآنية فامتزجت بها وزادت في قوة اللغة والبيان، وألفها الأدباء والكتاب، ويصح أن يقال أنه انتهج أسلوبا إسلاميا قرآنيا أدبيا أرديا جديدا، فكان أدب «الهلال» السحر الحلال والماء الزلال، وفي القوة الشلال النازل من مكان عال.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015