لمحة عن الأدب الإسلامي الهندي / للندوي

ـ[أحمد الغنام]ــــــــ[22 - 02 - 2007, 11:33 ص]ـ

لنطلع على آداب العالم الإسلامي،

لمحة عن المدرسة الأدبية الإسلامية الهندية كيف نشأت وتكونت وبماذا تميزت؟

الشيخ أبو الحسن علي حسن الندوي

ساداتي وإخواني، فكرت طويلا في الحديث الذي أتقدم به إليكم في هذه الندوة الأولى لرابطة الأدب الإسلامي التي تنعقد في رحاب ندوة العلماء في مدينة كانت لها القيادة الأدبية الشعرية زمنا طويلا، ومنها انبثق منهج تعليمي طبق الهند وتخطى إلى حدود أفغانستان وتركستان، وكانت ولا تزال مدرسة مستقلة مميزة في اللغة الأردية والشعر الأردي، يحتج بها ويرجع إليها في صحة التعبير ونقاء اللغة، وكانت تلي مدرسة دهلي العاصمة، ثم أصبحت في القرن الثالث عشر الهجري (القرن التاسع العشر الميلادي) تضارع مدرسة دهلي وتنافسها، ثم تغلبت عليها حين نبغ فيها شعراء مبتكرون في كثير من ضروب الشعر، وسلمت لهم الزعامة في الشعر، وحكموا على كثير من التعبيرات القديمة، والكلمات التي جاءت في شعر فحول الشعراء، بأنها أصبحت من الكلمات المهجورة، واستبدلوا بها تعبيرات كلمات حديثة.

وتنعقد هذه الندوة في الهند التي استقلت وانفردت في كثير من أنواع الثقافة الإسلامية والعلوم الدينية، وأساليب الحكم والإدارة، واللغة والأدب والشعر حتى أصبحت ذات شخصية إسلامية متميزة، ففضلتُ أن يكون حديثي اليوم عن المدرسة الأدبية الإسلامية التي تكونت في الهند وهي خليقة بأن تذكر مع المدرسة الأدبية الإسلامية الأندلسية، ومع المدرسة الأدبية الإسلامية المغربية ومع المدرسة الأدبية الإسلامية الإيرانية، وقد كانت لذالك أسباب طبعية تاريخية، نذكر بعضها على سبيل الإجمال:

لقد تفاعلت في الهند عوامل ثقافية، وعنصرية، وحضارية، وسياسية، وقد كانت مهد اللغات والثقافات والفلسفات القديمة، وكان من الطبيعي أن يتأثر الشعب المسلم بكل هذا في قليل أو كثير، فتكونت مدرسة مستقلة ذات نفسية خاصة وطابع خاص في الأدب الإسلامي، تمتاز بقوة العاطفة، ورقة الشعور، والدفق والعمق، والقدرة على الضرب على أوتار القلب، وإثارة الحب والحنان، والتفنن في الأنغام والألحان، والحماس الإسلامي، وشدة التعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وبلديه المشرفين، والجزيرة العربية الحبيبة، وابتكار معاني وأخيلة وتعبيرات لم تسبق إليها.

وقد أفاد هذه المدرسة الأدبية كون المسلمين في هذه البلاد في قلة دائما، وكونهم قد حكموا هذه البلاد ثمانية قرون على الرغم من كثرة عدد المحكومين من غير دينهم، واعتزاز هؤلاء المحكومين الزائد بفلسفاتهم وعلومهم التي لا يعدلون بها علما وفلسفة، وحضارتهم القديمة التي يعتبرونها في قمة الحضارات القديمة، وساعدت على ذلك أيضا عنصرية أهل الهند المتطرفة، التي تنظر إلى المسلمين دائما أنجاسا أجانب، وتميز – حتى في المجتمع الهندوسي- بين طبقة وطبقة، وإنسان وإنسان كالتمييز بين أشرف إنسان وأخس حيوان.

أفاد هذا الواقع المسلمين بصفة عامة، والشعراء والأدباء منهم بصفة خاصة مميزات نفسية عميقة في مقدمتها قوة الصمود أمام الهجمات والتحديات- سياسية كانت أو فكرية أو فلسفية أو أدبية- لأنهم بغير ذلك لا يستطيعون أن يحافظوا على إسلاميتهم وبقائهم كأمة ذات عقيدة خاصة، وشريعة معينة، وشخصية متميزة، وأفادهم ذلك الولاء الزائد للإسلام، وافتخارهم به، والتغني بأمجاده وأبطاله وعظمائه، وألهمهم ذلك توجيه القريحة الشعرية الأدبية والكتابية والمقدرة البيانية إلى شعر الملاحم الإسلامية، فنظمت أقوى ملاحم إسلامية شعرية ([1])،وأطولها وأجملها في أردو لغة المسلمين ولغة الهند الشعبية الأرقى، وانتشرت في ربوع الهند انتشارا لم يعرف لأي منظومة تاريخية أو قصصية في بلد من بلاد الإسلام، وكان لها فضل كبير، ودور حاسم في إثارة العاطفة الإسلامية وتنمية النخبة الدينية، وتحمل الصدمات العنيفة، والحوادث العائلية، والكوارث الفردية، في إيمان واحتساب، فإنها تذكر بحكايات البطولات الإسلامية الأولى، واستماتة المسلمين في سبيل الله، وما ظهر من البطولات من السيدات المسلمات في بعض المواقف، ثم تحمل المجاهدين الغزاة والأسر والبيوتات، شهادة إخوانهم وأبنائهم، والسيدات بمصاب أزواجهن وأبنائهن، في صبر وشكرن وإيمان واحتساب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015