ابتكار الكتابة كان تعبيراً عن لغة سادت لمئات من السنين وأقول مئات من السنين خشية المجازفة، لأننا قد نقول آلافاً من السنين دون أن تتغيّر معطيات البحث أعني الفرق بين استقرار الكلام وتداوله بين تلك الأقوام المهاجرة، وبين تمثيله من خلال الكتابة المسمارية التي مرّت بأطوارها المعروفة، عدْ إلى (ما قبل اللغة) لتعرف أن اللغة وتمثيل اللغة ليسا منفصلين عن الأنماط الإجتماعية للإنتاج التي سادت في بلاد ما بين النهرين .. الرافدان العظيمان في العراق القديم هما ملحمة خلق، هما ملحمة نضال من أجل أن توجد الحياة، ومن أجل أن يصبح الإنسان على ما أصبح عليه، لا تاريخ إلا بدءا من هذه اللحظة السومرية العظيمة، لا حياة كان من الممكن أن توجد على النحو الذي نعرفه دون المرور بسومر، دون المرور بأوروك وأريدو وغيرهما من المدن الممالك المؤسسة للحياة على الأرض وفي التاريخ.
إذا تصورت معي الألف الرابعة قبل الميلاد، مدينة أوروك أخذت تكتظّ بساكنيها الأصلاء والوافدين والمستعبدين، هذه الطبقات الاجتماعية الثلاث، كان يقابلها طبقات أخرى تمثّلت في الكهنة، والملوك غالباً ما كانوا يخرجون من هذه الطبقة، والتجار والحرفيين والمزارعين، ثم الأرقاء ثم المقايضين من تجار في السلع والنساء والعبيد، هذه هي الصورة البدائية لمجتمع أوروك وغيرها من القرى والمدن الصغيرة التي كانت تجايلها، كان الدين المعتقد قد اكتمل بالنسبة للسكان الذي لجأوا إلى إله أو مجموع آلهة ترعى المدينة، كما اختار كل شخص إلهه أو حارسه الشخصي، كما كان العرب يفعلون قبل الإسلام، وكان الجميع يتحدثون لساناً واحداً، لقد عدت إلى ملحمة (إنمركر وسيد أرتا) وترجمتها في نقحرتها السومرية، اكتشفت أن الملحمة تختلف جذرياً عن الترجمة التي قدمتها لنا جامعة أوكسفورد، هم يقولون أن لسان البشر كان متعدداً، والملحمة تقول حرفياً أن لسان البشر كان واحداً برعاية رب الأرض الإله إنكي الذي جادل السادة والأمراء والملوك، عد إلى (ما قبل اللغة) وعد إلى لقائاتي حيث وضحت هذه المسألة، النزاع بين المدن والقرى السومرية لم يكن نزاعاً قومياً أو لغوياً، كان بالأساس صراعاً على السلطة. لقد عرف العراق القديم أول اشكال سيادة الآلهة على البشر، من هنا منشأ الدين، وعرف أول أشكال سيادة البشر على البشر، ومن هنا منشأ نظرية التفويض الإلهي التي شهدت في ما بعد أشكالاً أخرى كالوراثة في الحكم، والوراثة بالوصاية، كما أن التاريخ يدلّنا على أول الانتفاضات الجماهيرية الكبرى التي حاولت أن تعيد السيادة للبشر جميعاً، أي السيادة الإنسانية والسيطرة على المقدرات .. جميع الفعاليات الإنسانية بدأت منذ تلك اللحظة السومرية في تاريخ العالم.
ما هي الصلة التي تقيمها بين سومر وكنعان والعرب؟
سومر اسم جامع يدلّ على نشأة الأقوام التاريخية التي توطّنت الشرق الأدنى واسّست ممالك ودول وحضارات أخذت أسماء مختلفة، وانفصلت لهجاتها ثم تطوّرت في تلك البيئات المختلفة لتتحول إلى لغات.
إذا عدنا إلى السومرية نجد أن اسم سومر في لهجة إيميسل الشعبيّة هو (كنانغ) والحرف الصامت الأخير كان يُحذف عادةً كلما ذكرت الأسماء خارج السياقات المتصلة في الكلام، أي أنه في واقع الأمر (كنآن) هكذا استقرّ لدينا بصيغة كنعان، وهذا التفسير يجيب على السؤال الذي ظلّ لغزاً حتى الآن وهو أصل الكنعانيين أسلاف العرب الذين يذكر كتّاب التاريخ القديم أنهم ظهروا فجأة ليتوطّنوا الساحل الشرقي للمتوسّط، فالعرب الآن بهذا التحليل هم أقدم أمة حضارية بمعنى الكلمة على وجه الأرض، أما قرّاء الألواح فقد غيّبوا الصلة بين الرموز المسمارية التي يمكن أن تفيد حرف العين، وقاربوا بين الصواتة السومرية وبين مخارج اللفاظ كما في اللغات الهندوأوروبية، وهذا خطأ علمياً، هذه خطيئة حرّفت مسار البحث اللغوي، ونتجت عنها فجوات كثيرة في مسارات التاريخ، عملي يسعى إلى إعادة تجسير هذه الفجوات لكي نتمكّن من قراءة تاريخنا قراءة سليمة صحيحة.
من هم العرب؟
د. عبدالمنعم المحجوب
¥