في ما يتصل بالمنهج الذي اخترته لست انتقائياً. لقد ترددت كثيراً، لأكثر من عشر سنوات، لأعلن نتيجة عملي، اختر أية كلمة عربية من أي معجم عربي قديم واختبر هذا المنهج، لن تجد مفردة واحدة لا تندرج تحت هذا التسلسل اللفظي، وهناك بالطبع مبدأ الإزاحة الدلالية وإعادة التشكّل كما وضحته في (ما قبل اللغة)، أقول لك أننا في السومرية نعود إلى الفونيمات الأساسية في صيغتها الأكثر تجريداً، إلى أي شكل آخر من بدائية التلفّظ علينا أن نذهب، وأكرّر القول ان العربية مرّت بمراحل لا نعرفها لأنها كانت خارج التدوين، ما أقوم به هو نوع من الترميم، نوع من البحث عن القطع الضائعة وإعادة توطينها لتكتمل الصورة.
كيف تقيّم هذا المنهج؟ وكيف تصفه بين مناهج اللغة؟
مهّدت حقلاً جديداً، وزرعته، وإنني في انتظار أن يثمر. أشعر أن هذا الحقل جديد، وذهب الآخرون يصفون ترابه قالوا أنه غير ذي زرع، وعندما عمدت إلى تمهيده رأيتهم يأسفون لجهدي وقرّروا مسبقاً أنه سيؤول إلى البوار. الزمن كفيل بمواسمه وفصول حصاده.
تتحدّث مثل راءٍ، من الناحية العلميّة كيف (تقيّم) عملك؟
طلبت مني أن أصف. ولقد فعلتُ. أما إذا عدنا إلى السومرية فهي لغة إلصاقية لا صلة لها بما جاورها من اللغات، هكذا تعلمنا على يد الرواد من قراء المسماريات، وهذا ما يقرأه الآن طلبة الجامعات وكليات الدراسات الشرقية واللغات القديمة، يعلّمونهم أن السومريين جاؤا ثم ذهبوا، لا أحد يعرف من أين ولا إلى أين، كأنهم نجم مذنّب مرّ في السماء دون أن يتوطّن الأرض، حتى أن العلماء اليهود مثل هاليفي الذين استشعروا الخطر على تراثهم المقتَبَس الذي حاولوا أن يعزلوه قالوا أن السومرية هي لغة بدون شعب، لغة لأن الكهنة البابليين اخترعوها ليتحدثوا ويتراسلوا بها سراً، ودون شعب لأن الألواح المسمارية لا تقول لنا ما هي سومر ومن هم السومريون .. وقد سار على نهجهم هذا باحثون عرب مثل د. نائل حنون، الذي أعتبره من الباحثين القلائل المتميزين في تاريخ العراق القديم، وأيده د. عثمان سعدي، الذي أجلّ عمله وأكبره جداً في تخصّصه الأمازيغي، هذا وجه من الصورة، جانب منها فقط.
الوجه الآخر، وهو مثل قاعدة جبل الجليد التي لا تبدو سوى قمتها على السطح، هو أن تراثنا لم يقدّم حتى الآن ضمن رؤية تستلهم الحراك الاجتماعي والتاريخي، بما في ذلك تحولات اللغة وأنماط الإنتاج والمعتقدات، وفوق ذلك ما مرّ بالمنطقة من تحولات طبيعية .. وأعتمد تأسيساً لقراءتي هذه التحولات، أي الطبيعية، لأبدأ حواري مع المناهج والنظريات السابقة.
أسأل أولاً: من هم العرب؟ العرب في اعتقادي، في عقيدتي أيضاً، هم مجموع تلك القبائل والجماعات التي دفعتها التحولات الطبيعية لكي تهاجر شمالاً وجنوباً بدءاً من الجزيرة العربية قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، أو قبل 12 ألف سنة من زمن الناس هذا، وإن كنا سنعود إليها مع إبراهيم كما يصف القرآن رحلته ـ ومن ناحية البحث التاريخي علينا أن نستظلّ بمقولة أنباط العراق كما في الحديث، هذا الحديث لا يعني شيئا من الناحية العلميّة، ولكنه يغذي توجّه البحث وروحه، كانت الجزيرة قد بدأت تخلوا تدريجياَ من سكانها، منهم من رحل شمالاً ومنهم من رحل جنوباً، هذا الترحال في توقعي استمر لمئات من السنين، وقد كان انحسار آخر العصور الجليدية تدريجياً، أي أنه لم يكن زلزالاً حدث بين يوم وليلة، لم يكن خسفاً أو قصفاً، كان تصحّراً استدعى أن تهجر تلك الجماعات والقبائل بشكل تدريجي، وأعتقد أن من بقي من تلك الجماعات والقبائل هم من كوّن في ما بعد ما تعرفهم العربية باسم الأعراب، وهي الصفة التي وردت في زمن شلمنصر الأشوري، لكن الملك الذي أطلق هذه الصفة، أي الأعراب، على سكان الجزيرة، لم يعد يذكر هو أو مجايلوه بمرور الوقت أنهم ينتمون إلى نفس تلك المجموعات والقبائل، الفرق الوحيد أن أسلاف ذلك الملك كانوا قد توطّنوا بيئة زراعية قارّة، صنعوا مدنيتهم، وبنوا مدنهم، وأقاموا هندسة للمعمار والري، واختاروا آلهة جديدة، ثمّ نتيجة لهذا التقدّم في الاستقرار ابتكروا الكتابة.
¥