اللغة العربية التي نعرفها مرّت بمراحل لم نعرفها، لأنها كانت خارج التدوين، ولا يمكن اكتشاف تلك المراحل إلا بالتدقيق في بنيتها، في صواتتها، وفي نِسابَة مفرداتها قياساً بالسومرية. وعندما أقول أن السومرية متوطّنةٌ قارّةٌ في العربية فأنا لا أعني أن العربية فرع لغوي من السومرية، كما درجت العادة في تصنيف اللغات واللهجات، أنا أعني حرفياً أن السومرية هي (حالة جنينية) تطوّرت إلى اللغات الأفروآسيوية، بما فيها اللغة العربية، بل إن اللغات الهندوأوروبية ليست استثناءً، لقد نشأت اللغات الهندوأوروبية في مسار القوس السنسكريتي العظيم بالتقاطع مع بلاد ما بين النهرين، هذه قراءة لا تفتقر إلى الشواهد؛ المئات، بل الألوف من الشواهد المقارنة تترى أمامي، هذه القراءة في حاجة إلى بعض الوقت فقط.

أي أن السومرية هي اللغة الأم، أول لغة في العالم؟

إذا كنا نذهب في السومرية إلى الفونيم المجرّد، إلى الحرف في حركته البسيطة، فكيف يمكن أن نفكّك الكلام إلى أبعد من ذلك؟ هل يمكن الوصول بصوت الإنسان إلى طبقة في التلفّظ أعمق من هذا؟

ماذا يعني ذلك من الناحية التطبيقية؟

في الدرس اللغوي التطبيقي للصّواتة لا يمكنك أن تفكّك حرف الهمزة مثلاً إلى أبعد من حركة واحدة، وأقول حركة لا vowel، ( ءَ) مثلاً، (ءِ)، (ءُ)، أو (بَ)، (بِ)، (بُ)، إلخ. هذه كلمات سومرية تامّة الدلالة، وهذه المقاطع أو الكلمات التّامة الدلالة متوطّنة في جميع اللغات الأفروآسيوية، وعلى الأخص العربية، خذ (لَ)، أو (لِ)، أو (لُ) مثلاً، نأخذ (لُ) lu ، هي في السومرية (إنسان)، (رجل)، كوّنت هذه الكلمة الحرف في السومرية كثيراً من الكلمات بفعل الإلصاق، أي بضمّ مقطع إلى آخر لتكوين كلمة، منها مثلاً على الأشهر (لُكَل) lugal، وتعني: ملك، هذا الحرف الكلمة في العربية هو (ءَلْوَ)، أو في صيغته المعجمية لا الصواتية: ألوى alwa ، وهو أيضاً (الآلُ)، (آلٌ) alun فالآل هو الرجل وإن كانت الكلمة قد انصرفت في هذا الزمن إلى آل الرجل وأهل بيته، فكلمة 'لُكَل' lugal هي في التأثيل العربي الفصيح (آل جَلّ)، و (ألوى جَلّ)، أي (رجل كبير)، و gal هي (جلّ) أي الكبير، أو الجليل، أو الجَلّ. هذان الحرفان الكلمتان كوّنا في مسار آخر نحو الجنوب كلمة عربية تامّة مفردةً هي: (القيْل) alqayl بمعنى: الملك.

الكلمة الحرف، أو الحرف الكلمة (لُ) lu كوّن مثلاً: لُكُ lugu، أو لغو، فالحرف (لُ) lu أي إنسان، في اشتراكه مع الحرف (كُ) أو (غو) أي صوت، أدّيا معنى (لغو)، ومنه (اللغة)، وأدّى في ما بعد إلى logo أو logos اليونانية، بنفس الدلالة، وإن كانت هذه الكلمة ستتنوع دلالاتها في ما بعد إلى معان أخرى منها: العقل، الروح، واصطلاحاً سيُضفَى عليها بعد المسيحية معان كهنوتية أكثر تحديداً. عموماً .. يمكننا استخراج مئات من الكلمات السومرية التي توطّنت في اللغات الأفروآسيوية بهذا المنهج الدقيق الذي أعتمد فيه على قراءة السومرية جذرياً وقراءة العربية، واللغات العاربة، مقطعياً. وقد لا يتعدّى إسهامي هذه الإضافة المنهجية، لأن التطبيقات تتالى وتتواتر وتتكشّف لكل من استخدم هذا المنهج في أية لغة افروآسيوية أخرى، ويمكن لأي ممارس أو متعلّم في أية لغة أخرى أن يصنع قاموسه الخاص، هذه المعرفة مشاعة إلى هذا الحدّ، طالما أن مفتاحها هو ما ذكرت لك .. فهل لك أن تتخيل إلى ما سيؤول أمر هذه القراءة، أقول لك باختصار .. السومرية هي أمّ اللغات المعروفة في العالم الآن، لكنها السليل المباشر للغة العربية واللغات الأفروآسيوية.

أليست العربية جذرية إلى الدرجة التي يبدو فيها هذا المظهر الإلصاقي في اللغة غريباً عنها؟ ألا تبحث عن الشواهد التي تدعم نظريتك، بينما تهمل الشواهد التي لا تدعمك؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015