المدن، يؤثثون الحياة، ويخترعون التاريخ .. مَن نرى الآن من شعوب وقبائل في الشرق الأدنى، في غرب آسيا، وشرق وشمال أفريقيا، العرب في أفراسيا، هم أصل الحضارة، هم أصل الحياة.

إذا كان كلّ هؤلاء ينتمون إلى أصل واحد، فكيف تنظر إلى اليهود الآن الذين يتحدثون العبرية، وهم جزء من الكتلة التاريخية الحضارية التي تدعو إليها؟

اللغات التي ذكرت جميعاً تنتمي إلى أصل واحد هو السومرية التي توضّعت وتوطّنت فيها .. إسرائيل جسم غريب في الكيان التاريخي العربي، كدولة لا كشعب، قبل 48 في الواقع قبل 37 لم يكن يوجد مجتمع عربي، مدينة، أو قرية، لم يكن يحتوي على حارة لليهود، لقد عاشوا بيننا كما عشنا، مارسوا نفس الأعمال، بل اعتدّوا بأنسابهم في ما بين عائلاتهم وأسرهم كما كنا نفعل، إسرائيل ذوّبت هذه التفاصيل الإنسانية، لأنها نشأت باسم الربّ 'جيفه'، إسرائيل آلة قتلٍ، هي ليست مجتمعاً إنسانياً يمكنه أن يحيا بمنطق التاريخ، بمنطق الحياة.

يوماً ما سوف يكون الصهاينة أكثر من يندم على مغامرة هذا الكيان اللقيط، في الحقيقة سوف نشفق عليهم أكثر مما يفعلون بأنفسهم، هذا منطق التاريخ، ولا حلّ أمامهم إلا العودة إلى التاريخ، اليهود جزء تاريخي من الأمة العربية، فإذا أراد هذا الجزء أن ينفصل ويستقل فإن عليه أن يبحث عن مخبر بيولوجي كما أطفال الأنابيب أو الكائنات المستنسخة، العالم لم يقر الإستنساخ على مستوى الدول بعد، أو لعلّه فعل. الحل الوحيد هو أن يتعايشوا، هو أن يقيموا دولة واحدة ثنائية الحزب، لا ثنائية القومية، لأن العرب واليهود هما جزءان من تاريخ واحد يبدأ من سومر. شاؤوا أم أبوا، لا وضع بديل يمكن للتاريخ أن يتوطّن فيه مهما كان منطق المصلحة السياسية هو الغالب.

إذا تكلمنا عن اللغة العبرية كأساس للدين اليهودي، وإذا تكلمنا عن اليهودية كأساس لنشأة دولة إسرائيل، أقول لك أن التراث العبراني جميعه لا معنى له خارج تراث أفراسيا، لقد وضع الدكتور فاضل عبدالواحد كتاباً بعنوان من ألواح سومر إلى التوراة، وبين فيه كيف أن اليهود، وهم جوّالون في البلاد، قد اقتبسوا الأساطير السومرية ليجعلوا منها أصلاً كوسموغونياً توراتياً، عملي يضيف إلى جهده بعداً تأسيسياً جديداً يتّصل باللغة، خذ مثلاً كلمة (تِ) أو (تي) ti ، هي في السومرية: سهم، حياة، ضلع. ولهذه الدلالات في السومرية أسباب متّصلة، لكن عندما قام الناسخون العبرانيون بنقل أساطير سومر ليضمّنوها كتابهم الذي تحوّل إلى نص مقدّس بعد ذلك، اختلط عليهم الأمر بين معنيي الحياة والضلع، فنسبوا (الحياة) وهي أصل اسم (حواء) إلى الضلع، أي إلى ضلع آدم، لأن الكلمتين تلفظان في السومرية بنفس الطريقة، تي، والخلق على هذا النحو لا وجود له سوى في التوراة.

هل تؤمن بوضعية النصوص المقدسة؟

أؤمن بتاريخية هذه النصوص، لكن التوراة نص كتب عدّة مرات، والإنجيل تفصل بينه وبين عيسى مئات من السنين، هناك في الحقيقة أكثر من عيسى، وهناك أكثر من موسى، وما يجعل محمداً واحداً هو اتصال التواتر في نقل هذا النص، أي القرآن، بين مرحلة زمنية وأخرى، حتى وإن اختلفنا في اتصال وتواتر غيره من النصوص.

نعود إلى اللغة العربية وعلاقتها باللغة السومرية!

لا شيء أكثر مما كتبت في (ما قبل اللغة)، أعمل الآن على كتاب (التجريد) الذي أتوقع أن يصدر بين 10 إلى 15 جزءا على مدى السنوات القادمة، وهو معالجة شاملة لجميع المداخل المعجمية كما حفظتها لنا أمهات المتون العربية القديمة من خلال ردّ جذورها إلى السومرية وكشف تطابقها اللفظي والدلالي .. لقد وجّهتُ دعوة إلى اللغويين العرب لتأسيس مَخْبَر لغوي يعمل على أساس نظرية الأصل السومري، وما زلت في الانتظار .. وصلتني ردود لباحثين أصدقاء أحترمهم وأجلّ عملهم، أما أصحاب النظريات فيبدو أنهم يخشون على أرصدتهم الأدبية، على رأسمالهم الرمزي، بالرغم من أن أحداً لم يقدّم نقداً فعلياً لنظرية الأصل السومري بل عمدوا إلى تكرار ما كنا نسمعه على مدى أكثر من مائة عام وكأنه نص مقدّس.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015