العربية الآن لا تصمد أمام الإنكليزية، أعني استعمالياً، الإنكليزية لغة طارئة على تاريخ الحضارة، لغة عابرة، لكنها في الحقيقة تتصدّر الآن قائمة أكثر اللغات استعمالاً في العالم، لماذا؟ لأنها لغة وقحة، الإنكليزية لغة عارية، وقحة حتى في تعبيرها عن أكثر المشاعر رهافةً، وعارية حتى في تعبيرها عن أكثر الأحوال استبطاناً، وهذا للمفارقة أحد أهم أسباب قوتها. هل تستطيع مثلاً أن تترجم لها محيي الدين ابن عربي (من العرب) أو فريد الدين العطار (من الفرس) أو محمد إقبال (من باكستان) أو حتى المزروعي (من أفريقيا)، دون أن تلعن هذه اللغة الوسيطة بينك وبين العالم، دون أن تسخر من نفسك لأنك لا تجد غيرها للتعريف بثقافتك في يوم الناس هذا؟ أقول ثقافتك لأن جميع الأسماء التي ذكرتها عربية أصيلة وإن اختلفت بلدانها وبيئاتها المحلية .. حتى إذا ترجمنا لها ملحمة غلغامش، وهو نص فوق تاريخ اللغات، سيصيب هذه الملحمة الكثير من التسطيح. هل تدرك ما أقول؟ أشكّ في أن جميع من تعرّف على ملحمة غلغامش عن طريق الإنكليزية قد توصّل إلى الأبعاد التي رمى إليها هذا النص الخالد! الإنكليزية لغة عارية، لغة مياومة، لغة سياسة، لغة إعلام و Show و صلى الله عليه وسلمntertainment. الإنكليزية تنتصر لوقاحتها وسلاطة مفرداتها، كما كان الأكديون يسمون لهجة صلى الله عليه وسلمmesal السومرية غير الفصحى لأنها خليط بين الأصيل والعابر بوصف (لِشانُ سليطُ)، لهذا تتقدّم الإنكليزية الآن وتكتسح المجال اللغوي في العالم، لا لعظمتها كلغة، لا لأهليتها، بل لوقاحتها وعُريها.

لغة شكسبير التي يميّزها الدارسون في تاريخ الإنكليزية هي لغة مستعارة في أسلوبها وبلاغتها، بلاغة شكسبير بلاغة شرقية، لهذا السبب بدت كابتكار وكإبداع لا مثيل له، لأنها اجترحت ما لا يعرفه المتكلمون بها، هذا هو الفرق بين الاستعمال وبين جوهر اللغة، المسألة لدينا أن الاستعمالي المنحط في العربية هو السائد، بينما البلاغي الرفيع هو المهجور.

الكثيرون يدافعون عن تطوير العربية من هذا المنطلق، أي من باب مواكبة اللغة للعصر الحديث؟

هؤلاء يقتلون العربية، لسبب بسيط، غاية في البساطة، لأن اللغة العربية لا يمكن لها أن تتطور بمعنى مواكبة العصر، هذا ضحك علينا نحن المتكلمين بالعربية، العربية منظومة مغلقة لا سبيل إلى إضافة الجديد لها، السبيل الوحيد لجعلها تواكب الجديد هو النهوض بها من داخلها، لا من خارجها، هو العودة إلى المهمل والمهجور والمتروك، العودة إلى ما ضيعته الترجمة والمواكبة وإحلال الأساليب الغربية في استعماليتها ومياومتها، الجذور العربية الضاربة في القدم إلى درجة احتواء السومرية هي أقدم ما تلفّظ به البشر حتى الآن، لماذا نخشى إعلان هذه الحقيقة اللغوية، لقد حاربني الكثيرون، بعضهم لأنني 'أذيب' اللغة العربية في اللغة السومرية، وبعضهم حاربني باسم الإسلام لأنني أنزع عن لغة القرآن قدسيتها، وبعضهم حاربني بدعوى القومية الأشورية لأنني أنزع منها ريادة الساميّات، ما هذا النزاع السريالي.

السرياني!

السريالي، ليته كان سريانياً .. هؤلاء جميعاً أحاديو الرؤية، تخيّل معي أن معرفةً باللغات تستطيع أن تقيم هذه الصلة بين السومرية والأفروآسويات، ما الذي يحدث عندما نعمّم المعرفة بأن السومرية هي مبدأ ومنشأ الأكدية والأشورية والكنعانية والعبرية والجعزية والسبأية والأوغاريتية والمؤابية والأدومية والآرامية والسريانية والمندائية والسبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية والسُّقُطرية والمهرية والشحريّة والمصرية والقبطية والتارقية والشاوية والشلحية والقبائلية والمزابية والحوسا والسواحيليّة وأكاو والفلاشا والجعزية والأرغُبّة والتغرينية والتغريّة والحَرَرَيّة والغَفَت والماو والديزي والغونغا والمالطية ولغة جزر الخالدات، هذه اللغات تنتمي جميعاً إلى أصل واحد هو السومرية، بل أن دراستي للغة قبائل التبو في الصحراء أثبتت صلات أخرى بالسومرية كانت غائبة حتى هذه اللحظة. إن الأمثلة المقارنة تعدّ بالمئات. إذا تمّ تعميم هذه المعرفة فإننا نستعيد لهذا الخلْق بين المحيط الكنعاني والأحواز العربية تاريخاً يمتد إلى 12 ألف سنة، نذهب بهم إلى ما قبل انحسار آخر عصر جليدي، نجعلهم يؤسسون الحضارة الإنسانية، نجعلهم يصنعون الأديان، يخلقون الآلهة، يبنون الأسواق، يقيمون

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015