ولم يكن العماد ابن كثير ممن ينتهج هذا النهج في كتبه حسب ما نعلم.
فإن قلتَ: برهاننا على ذلك أنك لا تكاد ترى هذا الحديث الذي عزاه ابن كثير إلى الطيالسي في (مصنفاته المطبوعة)!
قلنا: وهذا ليس بشيء عند النظر! وعدم العلم ليس دليلا على العدم!
وهل تستطيع أن تجزم بأن جميع مصنفات هذا الإمام قد وصلتنا جميعًا!
وهل إذا استطعت أن تلتزم ذلك فإنك تستطيع الجزم بكونها قد وصلتنا كاملة!
وكم من الأحاديث التي يعزوها الحفاظ والمحدثون المتقدمون والمتأخرون إلى (مسند الطيالسي) ولا ترى له أثرًا في (مسنده المطبوع)! مما يدل على نقصه بلا ريب!
وهناك كلام كثير حول (هذا المسند) ورواياته عن أبي داود، فاطلبه تجده أمامك متى شئتَ.
لذلك توحيد الموقف في الموضعين وحملهما بعضهما على بعض قد يؤدي إلى مثل هذه الخطأ.
أنت - ومعك الأخ محمد - لا ترى غضاضة من الجزم بخطئي في تلك القضية! في حين أنكما تتحاشيان ذلك فيمن أقمتُ البرهان على خطئهم بما لا مزيد عليه!
بل وتسعيان إلى تمشية المسألة بسماحة المعالجة! كأنه لا قارورة كُسِرَتْ! ولا لؤلؤة هناك قد ثُقِبَتْ! والله المستعان.
رجاء يا أخانا الحبيب خفف نبرتك فيما يتعلق بنقد العلماء فهذا يكون جارحًا للمشاعر، ولا أقصد من ذلك ادعاء العصمة لأحد أو أن أحدًا من أهل العلم فوق النقد، لكن فقط اختيار العبارة اللائقة في نقد أهل العلم.
مشكلة بعض إخواننا: أنه متى وقف على أحد من الباحثين يتعقب بعض المتقدمين أو كبار المتأخرين في مسألة، جازمًا بخطئه أو غلطه أو غير ذلك! اتخذ من صنيعه وليجة على أنه لا يتأدب مع العلماء! ولا يراعي لهم حرمة! هكذا صار هذا الأمر مَرْكَبَ الكثيرين من أبناء هذا العصر!
وليس هذا الأمر وليد تلك الأوقات والأزمان!
فقديمًا: وصِفَ جماعةٌُُُ من كبار الأئمة بذلك وهم بصدد النقض على مخالفيهم!
فقالوا ذلك عن شيخ الإسلام وتلميذه وجماعة كثيرة غيرهم.
وقائل ذلك: ليس عدوا لشيخ الإسلام! بل تراه من محبيه ومناصريه أيضًا!
ولكن: لمَّا استحكمت محبة الناس الزائدة - يعني العلماء - وأقوالهم ومنازلهم في صدور البعض، عزّ عليهم أن يبصروا أخطائهم منشورة مسطورة، فحرَّكتهم تلك المحبة الزائدة على أن لا يروا في الناقض عليهم إلا حاسدًا! ولا في المتعقب لهم إلا مبغضًا! ولا في المناقش لأقوالهم إلا طاعنًا! ولا في الكاشف لأخطائهم إلا غير متأدب معهم!
كأنَّ تمام الأدب عند هؤلاء لا يتم إلا بغضِّ الطرف عن هفوات الغالطين في شريعة الله!
وغفلوا عن أن العصبية إنما تنبغي أن تكون لنصوص الكتاب والسنة!
وما خالفَ أحدٌ في تبجيل العلماء واحترامهم! لكن الأمر ما أقوله لك!
وقديمًا: أزْرَى المالكية على الشافعي لكونه ردَّ على مالكٍ أخطائَه في مؤلَّف مُفْرد!
وحمل متعصبوا الشافعية على الإمام المجتهد العالم الكبير محمد بن عبد الله بن الحكم لمَّا صنَّف كتابه (الرد على الشافعي فيما خالف فيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم)! مع كون تأليف هذا الكتاب كان تحت إشراف إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة المعدود عندهم في طبقات الشافعية.
وعندي من هذا الطراز شيئ كثير يضيق عنه هذا المقام جدًا!
وما كنت أحب الخوض في هذا الأمر! إلا أن البعض يضطرني لسلوك سبيله!
وحتى لا أطيل على أحد أقول: كل من رأى في كلامي كلمة جاوزتُ بها حدود الأدب مع علمائنا المشهود لهم بالعلم والفضل! فيأتنا بها فورًا؛ ريثما أُوقِفَه على عشراتٍ أمثالها - بل أشد منها وأغلظ - من كلمات كبار العلماء عند النقض على غيرهم في بعض القضايا!
ولا يتحذلق متحذلق فيقول: هذا كلام العلماء وأنت ليس بعالم!
لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول وليس إلى القائل!
وقد: (يدرك الطالع شأوَ الضليع، ويُعَدُّ في جملة العقلاء المتعاقلُ الرقيع)!
وليس هناك أحدٌ أكبر من أن يقال له: أخطأتَ وغلطتَ ووهمتَ! دون تجنٍّ أو تهوُّر!
وقد رُوِّينا عن أبي الفرج البغدادي الحافظ أنه قال: (والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه!).
وأرجو أن لا يحوجنا أحد في الاسترسال في هذا الميهع مرة أخرى!
¥