والمراد ذكرُه هنا هو النوع الأول بأقسامه وأنواعه، وأفضل ما يكون الذكر ما يقع في القلب ويتلفظ به اللسان، ثم يليه ما يقع في القلب من غير تلفظ باللسان، ثم يليه التلفظ باللسان من غير ذكر بالقلب؛ وذلك أن ذكر القلب وذكر اللسان إن اجتمعا كان هو الكمال والغاية، وهذا فيما أردناه، وإلا فالكمال هو أن يجتمع ذكر القلب وذكر اللسان وذكر الجوارح على وجه العموم في تأويل ذكر الله - سبحانه وتعالى - على الأقسام السابقة كلها؛ ولكن المراد هو النوع الأول، وهو ذكر الله - سبحانه وتعالى - والتلفظ بأسمائه وصفاته.
وذكر الله مكانتُه عظيمةٌ، ومنزلتُه جليلة، وكما تقدم فإنه هو روح الحياة وحياة الروح، وبه تطمئنُّ القلوب، وتسعد الصدور وتنشرح؛ لأن الله - جل وعلا - هو أعظم مذكور؛ ولذلك كلما أكثر الإنسان من ذكر الله، اطمأنَّ قلبُه ولان وقرُب من الله، وكلما بعُد قلبُه عن ذكر الله - جل وعلا - قرب من غيره من شياطين الإنس والجن؛ لذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى -: ((مَثَلُ الذي يذكر الله والذي لا يذكره، مَثَلُ الحي والميت)).
الحي الذي تنبض به الحياة، ويستطيع أن يعمل، وأن يقول، وأن يرى، وأن يفكر ويتأمل ما لا يراه الميت، وهذا تشبيه بليغ، وقد جاء في كلام الله - سبحانه وتعالى - وفي كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيان فضل الذكر ومدحه من الآي والأحاديث ما لا يُحصى، مما يطول ذكره جدًّا.
ويكفي في ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - قد امتدح الذاكرين الله كثيرًا؛ بل أمر بذكره - جل وعلا - وأخبر أن المؤمنين الحقيقيين الذين يذكرون الله ولا تُلهيهم تجارةٌ عن ذكر الله، وأمر أهلَ الإيمان ألاَّ يصرفهم عن ذكر الله شيءٌ من الصوارف، فقال الله - سبحانه وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9]، فهؤلاء هم أهل الإيمان.
وأخبر الله - جل وعلا - أن ذكر الله - تبارك وتعالى - ينبغي أن يكون للعبد في كل حال، فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، وهذا في كل حال.
والذكر والدعاء بينهما تلازمٌ، وإن كان الذكر هو أفضل من الدعاء؛ فالذكر عند الاستقلال يسمى دعاء ويسمى ذكرًا؛ ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من حديث جابر بن عبدالله، قال: ((أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله))، مع أن ((الحمد لله)) هي ذكر لله - سبحانه وتعالى - وإنما كان ذكر الله وحمده وتسبيحه وتهليله وتكبيره من الدعاء؛ لأن الإنسان يذكر الله بصفات المحامد وتعظيم الله - جل وعلا - لأن الله - سبحانه وتعالى - يستحق؛ لما فيه من جميل الصفات، ومحاسن الأسماء؛ ولأن الدافع لذلك هو الحب لله - سبحانه وتعالى - لما سبق من فضل، وما يلحق من فضل للعبد، وكأن الإنسان يعرف تلك الأذكار لله - جل وعلا - يطلب منه المزيد؛ ولذلك كان من أفضل الدعاء ذكرُ الله - سبحانه وتعالى.
ولذلك يروى في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد: ((من شَغَلَه ذِكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))؛ وهذا خبر قدسي قد روي من طرق عدة جلُّها ضعيف؛ لكنه قد روي عن بعض السلف صحيحًا موقوفًا عليه؛ قد رواه الترمذي والدارمي من حديث محمد بن الحسن، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قال الله - جل وعلا -: من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))، وهذا معناه صحيح، وإن كان قد تفرَّد به محمد بن الحسن، وأعله الترمذي بقوله: حديث غريب، وأعله أبو حاتم بقوله: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابَع عليه، وكذلك العقيلي، لكن له شواهد عدة؛ فقد رواه الطبراني وغيره من حديث صفوان بن أبي الصهباء، عن بكير، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله - سبحانه وتعالى - وفيه صفوان بن أبي الصهباء، وهو مجهول، وقد روي من حديث جابر بن عبدالله، كما رواه البيهقي في "شعب الإيمان" من حديث الضحاك، عن يزيد بن خمير، عن جابر بن عبدالله، عن
¥