وقد أخرج حديثها ابن أبى شيبة (2/ 160/7656 و6/ 53/29414 و7/ 168 /35038) وأحمد (6/ 370)، وإسحاق بن راهويه (1/ 199:198)، وابن سعد "الطبقات" (8/ 310)، والدورى "تاريخ يحيى بن معين" (3/ 51)، وعبد بن حميد "المنتخب" (1570)، وأبو داود (1501)، والترمذي (3583)، وابن أبى عاصم "الآحاد والمثانى" (6/ 73/3285)، وابن حبان كما في ((موارد الظمآن)) (2333)، والطبراني "الكبير" (25/ 74/180) و"الأوسط" (5/ 182/5016)، والحاكم (1/ 547)، وأبو نعيم ((الحلية)) (2/ 68)، والرافعى "التدوين في أخبار قزوين" (3/ 52)، والمزى "تهذيب الكمال" (30/ 141) جميعا من طريق هانئ بن عثمان عن أمه حميضة بنت ياسر عَنْ جَدَّتِهَا يُسَيْرَةَ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ r : (( يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ، عَلَيْكُنَّ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، وَلا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ)).

والحديث صحَّحه ابن حبان والحاكم، وأقرهما الذهبي والنووي وابن حجر، كما أقره الألباني.

قلت: وفي إسناده حميضة بنت ياسر، إحدى المجهولات اللاتى تفرد ابن حبان بتوثيقهن، وقال عنها ابن حجر: ((مقبولة))!. فسبيلها في قبول حديثها كسبيل حُكيمة لا يفترقان في شيء البتة، كلتاهما تابعية لم يوثقها غير ابن حبان، وقال عنهما ابن حجر: ((مقبولة))، فكيف فرَّق بينهما الشيخ الألباني، فحسَّن حديث حميضة وضعَّف حديث حُكيمة؟!.

أليس هذا من الاعتداد بقول أئمة الجرح والتعديل، ومنهم الإمام العلم أبى حاتم ابن حبان، في موضع، ونقضه في موضع آخر؟!.

على أن ثمَّة أمرٍ آخر زائدٍ في حديث حميضة، الذي تلقاه الألباني بالقبول وحسَّنه، أن في إسناده هانئ بن عثمان الجهنى وقد تفرد عن أمِّه حميضة، ولم يوثقه إلا الإمام العلم الجهبذ ابن حبان، ولهذا قال ابن حجر في "التقريب" عنه: ((مقبول))!. فلماذا اعتمده الألباني، وتناسى ما يكثر أن يعلل به تضعيف أحاديث المجاهيل بقوله: ((توثيق ابن حبان لا يعُتمد لأنه متساهل في التوثيق))!.

وعندي أن الحكم على الحديثين ـ حديث حُكيمة وحديث حُميضة ـ واحد، كلاهما صحيح، ولا يضر راويتهما تفرد ابن حبان بتوثيقهما، عملاً بالمذهب الراجح أن تزكية المزكى الواحد تكفي في تعديل الراوى المجهول، كما ذكره إمام المحدثين في "صحيحه" (2/ 106. سندى): باب: إذا زكَّى رجلٌ رجلاً كفاه.

ولنذكر مثالاً آخر، أنه قال في "صحيحته" (رقم307) ما نصه:

[حديث ((تنكح المرأة على أحدى خصال ثلاثة، تنكح المرأة على مالها، وتنكح المرأة على جمالها، وتنكح المرأة على دينها. فخذ بذات الدين والخلق، تربت يمينك)).

أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (1231)، والحاكم (2/ 161)، وأحمد (3/ 80) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبى سعيد الخدرى مرفوعاً به.

وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذهبي.

قلت: ورجاله ثقات معروفون، غير عمة سعد، واسمها زينب بنت كعب بن عجرة، روى عنها ابنا أخويها: سعد بن إسحاق، وسليمان بن محمد ابنا كعب بن عجرة. وذكرها ابن حبان في "الثقات". وهي زوجة أبى سعيد الخدرى، وذكرها ابن الأثير، وابن فتحون في ((الصحابة)). وقال ابن حزم: ((مجهولة))، كما في "الميزان" للذهبى وأقرَّه، ومع ذلك وافق الحاكم على تصحيحه] اهـ.

وأقول: فالألباني هاهنا يعتمد تصحيح ابن حبان والحاكم، على أن زينب بنت كعب بن عجرة لم يوثقها إلا ابن حبان وحده!. فإن قيل: إنما وثقها الألباني لكونها صحابية وشهرة الصحابيات واستفاضة الثقة بهن قاضية برفع الجهالة وإثبات توثيقهن، فلا يحتاج عندئذ إلى توثيق ابن حبان أو غيره.

فأقول: لو كان هذا صحيحاً، فلماذا ذكر توثيق ابن حبان إياها، وذكر عقبه قول ابن حزم: مجهولة؟.

وأجيب: ذلك لقوة الخلاف في إثبات الصحبة لها، فالأكثرون على أنها تابعية.

والحافظ ابن حجر نفسه الذي اعتمد عليه الألباني فيما نقله عن ابن عبد البر وابن فتحون من القول بصحبتها في ((تهذيب التهذيب)) (12/ 451)، قال في ((تقريب التهذيب)) (2/ 600): ((مقبولة من الثانية ويقال: لها صحبة)).

فقوله ((مقبولة من الثانية)) يعنى جزمه بتابعيتها، إذ لا يقال في صحابية ((مقبولة))، والصحابة عند ابن حجر كلهم في (الطبقة الأولى)، وأما الثانية فهي طبقة كبار التابعين، كابن المسيب وقيس بن أبى حازم وأبى عثمان النهدى وأبى وائل شقيق بن سلمة من الرجال، وكخيرة أم الحسن البصري وصفية بنت أبى عبيد وأم بلال بنت هلال من النساء.

وقال أبو زكريا النووي ((تهذيب الأسماء)) (2/ 613): ((زينب بنت كعب بن عجرة. مذكورة في باب المعتدة من ((المهذب)). وهي تابعية تروى عن الفريعة بنت مالك. يروى عنها: ابن أخيها سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة)).

كما أشار الحافظ الذهبي إلى تابعيتها في "الكاشف" (2/ 508) بقوله: ((وثقت))، فلو كانت صحابية ما قالها. ولهذا لما نقل قول ابن حزم ((مجهولة)) في "الميزان" لم يتعقبه بشئٍ.

والخلاصة، فإن زينب بنت كعب بن عجرة تابعية على الأرجح، وإنما اعتمد الحفاظ تصحيح حديثها لتوثيق ابن حبان إياها، ولهذا ذكره الشيخ الألباني في معرض الاحتجاج لقبول حديثها دفعاً لتجهيل ابن حزم إياها، وإنما منعه من التصريح بقبول توثيق ابن حبان تمسكه بقاعدته (توثيق ابن حبان لا يُعتمد لتساهله في توثيق المجاهيل)!

وأما القول بتضعيف الحافظ ابن حجر لحكيمة أم حكيم، لمقاله عنها ((مقبولة))، فهو خطأ صدر عن عدم معرفة دلالة هذا المصطلح لدى الحافظ، والمدققين العارفين بمعانى مصطلحاته في كتابه الفذ ((تقريب التهذيب))، سيما وقد وصف به جمع من الثقات الذين احتج بهم الشيخان في ((الصحيحين))، وعدتهم مائة وخمسة من الرواة، وقد بيَّنته بياناً شافياً في كتابى ((المنهج المأمول ببيان معنى قول ابن حجر مقبول)) ........................

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015