" تقريب النووي " (ص 209 بشرح التدريب). و كأن الكوثري تعمد هذا التحريف و نسبة هذا القول لشعبة - و ليس له - ليقوي به دعوى كون الحارث بن عمرو هذا ابن أخي المغيرة، لأن أبا العون - و اسمه محمد بن عبيد الله ابن الثقفي الأعور و إن كان ثقة، فإنه لا يزيد على كونه راويا من رواة
الحديث، و أما شعبة فإمام نقاد. على أننا لو سلمنا بأنه من قوله، فذلك مما لا يفيد الكوثري شيئا من رفع الجهالة كما سبق بيانه. 2 - قوله: " و لا مجهول الوصف من حيث أنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون ....... ". فأقول: الجواب من وجهين: الأول: بطلان هذه الدعوى من أصلها، لأن شيوخ أبي عون ليسوا جميعا من كبار التابعين حتى يلحق بهم الحارث هذا، فإن من شيوخه أبا الزبير المكي و قد مات سنة (126)، و لذلك جعله الحافظ من الطبقة الرابعة، و هم
الذين جل روايتهم عن كبار التابعين، و من شيوخه والده عبيد الله بن سعيد، ولا تعرف له وفاة، لكن ذكره ابن حبان في " أتباع التابعين "، و قال: يروي المقاطيع. قال الحافظ: فعلى هذا فحديثه عن المغيرة مرسل. يعني منقطع، ولذلك جعله في " التقريب " من الطبقة السادسة، و هم من صغار التابعين الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج. إذا عرفت هذا فادعاء أن الحارث بن
عمرو من كبار التابعين افتئات على العلم، و تخرص لا يصدر من مخلص، و الصواب أن يذكر ذلك على طريق الاحتمال، فيقال: يحتمل أنه من كبار التابعين، كما يحتمل أنه من صغارهم. فإن قيل: فأيهما الأرجح لديك؟ قلت: إذا كان لابد من اتباع أهل الاختصاص في هذا العلم، و ترك الاجتهاد فيما لا سبيل لأحد اليوم إليه، فهو أنه من صغار التابعين، فقد أورده الإمام البخاري في " التاريخ الصغير " في فصل " من مات ما بين المائة إلى العشرة " (ص 126 - هند) و أشار إلي حديثه هذا و قال: " و لا يعرف الحارث إلا بهذا، و لا يصح ". و لذلك جعله الحافظ في " التقريب " من الطبقة السادسة التي لم يثبت لأصحابها لقاء أحد من الصحابة فقال: " مجهول، من السادسة ". فإن قيل: ينافي هذا ما ذكره الكوثري (ص 62) أن لفظ شعبة في رواية علي بن الجعد قال: سمعت الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاذ بن جبل.
كما أخرجه ابن أبي خيثمة، في " تاريخه " و مثله في " جامع بيان العلم " لابن عبد البر. فهذا صريح في أنه لقي جمعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو تابعي. فأقول: نعم والله إن هذه الرواية لتنافي ذلك أشد المنافاة، و لكن يقال للكوثري و أمثاله: أثبت العرش ثم انقش، فإنها رواية شاذة، تفرد بها علي بن الجعد مخالفا في ذلك لسائر الثقات الذين لم يذكروا رسول الله صلى الله عليه
وسلم مضافا إلى (الأصحاب)، و إنما قالوا: أصحاب معاذ كما تقدم في الإسناد عند جميع من عزونا الحديث إليهم، إلا في رواية لابن عبد البر، و هي من روايته عن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن الجعد ...... و أحمد بن زهير هو ابن أبي خيثمة. و إليك أسماء الثقات المخالفين لابن الجعد في روايته تلك: الأول: أبوداود الطيالسي نفسه في " مسنده " و عنه البيهقي. الثاني: محمد بن جعفر عند أحمد و الترمذي. الثالث: عفان بن مسلمة عند أحمد أيضا. الرابع: يحيى بن سعيد القطان، عند أبي داود و ابن عبد البر في الرواية الأخرى. الخامس: وكيع بن الجراح عند الترمذي. السادس: عبد الرحمن بن مهدي عند الترمذي. السابع: يزيد بن هارون عند ابن سعد. الثامن: أبو الوليد الطيالسي عند ابن سعد. فهؤلاء ثمانية من الثقات و كلهم أئمة أثبات، لاسيما و فيهم يحيى القطان الحافظ المتقن لو أن بعضهم خالفوا ابن الجعد لكان كافيا في الجزم بوهمه في نسبته (الأصحاب) إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى معاذ، فكيف بهم مجتمعين؟! ومثل هذا لا يخفى على الكوثري، و لكنه يتجاهل ذلك عمدا لغاية في نفسه، و إلا فإن لم تكن رواية ابن الجعد هذه شاذة فليس في الدنيا ما يمكن الحكم عليه بالشذوذ، و لذلك لم يعرج على هذه الرواية كل من ترجم للحارث هذا. فثبت مما تقدم أن الحارث بن عمرو هو من صغار التابعين، و ليس من كبارهم، و قد صرح بسماعه من جابر بن سمرة
¥