العلم بالنقل، فلم أجد غير طريقين: أحدهما: طريق شعبة. و الأخرى: عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ و كلاهما لا يصح. قال: وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب " أصول الفقه ": " و العمدة في هذا الباب على حديث معاذ " قال: " و هذه زلة منه، و لو كان عالما بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة "، (قال الحافظ رحمه الله تعالى): " قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، و كان يمكنه أن يعبر بألين من هذه العبارة مع كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه! فإنه قال: " و الحديث مدون في " الصحاح " متفق على صحته (!) لا يتطرق إليه التأويل ". كذا قال رحمه الله، و قد أخرجه الخطيب في كتاب " الفقيه و المتفقه " من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتا لكان كافيا في صحة الحديث ". قلت: لم يخرجه الخطيب، بل علقه (ص 189) بقوله: " و قد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. و هذا إسناد متصل و رجاله معروفون بالثقة ". قلت: وهيهات، فإن في السند إليه كذابا وضاعا، فقد أورده ابن القيم في " تهذيب السنن " تعليقا على هذا الحديث فقال (5/ 213): " وقد أخرجه ابن ماجه في " سننه " من حديث يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم: حدثنا معاذ بن جبل قال: " لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: لا تقضين و لا تفصلن إلا بما تعلم، و إن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه، أو تكتب إلي فيه ". و هذا أجود إسنادا من الأول، و لا ذكر للرأي فيه ". قلت: كيف يكون أجود إسنادا من الأول و فيه محمد بن سعيد بن حسان و هو الدمشقي المصلوب؟! قال في " التقريب ": " قال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث، و قال أحمد: قتله المنصور على الزندقة و صلبه ". و قد سبق نحوه (ص 244) عن غيره من الأئمة. قلت: و لعله اشتبه على ابن القيم رحمه الله بمحمد بن سعيد بن حسان الحمصي، و ليس به، فإنه متأخر عن المصلوب، و لم يذكروا له رواية عن ابن نسي، و لا في الرواة عنه يحيى بن سعيد الأموي، و إنما ذكروا ذلك في الأول، على أنه مجهول كما قال الحافظ، و أيضا فإن هذا ليس من رجال ابن ماجه، و إنما ذكروه تمييزا بينه و بين الأول. و الحديث في " المقدمة " من سنن " ابن ماجه " (1/ 28)، و قال البوصيري في " الزوائد " (ق 5/ 2): " هذا إسناد ضعيف، محمد بن سعيد هو المصلوب اتهم بوضع الحديث ". على أن قول ابن القيم: " و لا ذكر للرأي فيه ". إنما هو بالنظر إلى لفظ رواية ابن ماجه، وإلا فقد أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (16/ 310 / 1) من طريق المصلوب هذا بلفظ: " قال معاذ: يا رسول الله: أرأيت ما سئلت عنه مما لم أجده في كتاب الله و لم أسمعه منك؟ قال: اجتهد رأيك ". ثم رواه ابن عساكر (16/ 310 / 2 ??من طريق سليمان الشاذكوني: أخبرنا الهيثم بن عبد العفار عن سبرة بن معبد عن عبادة بن نسي به بلفظ: " اجتهد رأيك، فإن الله إذا علم منك الحق وفقك للحق ". و الهيثم هذا قال ابن مهدي: " يضع الحديث ". و الشاذكوني كذاب. قلت: وأجاب ابن القيم عن العلة الثانية، و هي جهالة أصحاب معاذ بقوله في " إعلام الموقعين " (1/ 243): " و أصحاب معاذ و إن كانوا غير مسمين فلا يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة الحديث، و شهرة أصحاب معاذ بالعلم و الدين و الفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى .... " أقول: فهذا جواب صحيح لو أن علة الحديث محصورة بهذه العلة، أما و هناك علتان أخريان قائمتان، فالحديث ضعيف على كل حال، و من العجيب أن ابن القيم رحمه الله لم يتعرض للجواب عنهما مطلقا. فكأنه ذهل عنهما لانشغاله بالجواب عن هذه العلة و الله أعلم. ثم تبين لي أن ابن القيم اتبع في ذلك كله الخطيب البغدادي في " الفقيه و المتفقه " (113/ 1 – 2 من المخطوطة، 189 - من المطبوعة)، و هذا أعجب، أن يخفى على مثل الخطيب في حفظه و معرفته بالرجال علة هذا الحديث القادحة! (تنبيه) أورد ابن الأثير هذا الحديث في " جامع الأصول " (10/ 551) عن الحارث بن عمرو باللفظ الذي ذكرته، ثم قال: " و في رواية: " أن معاذا سأل رسول

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015