الوارثين} وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
· وقال في (إغاثة اللهفان 2/ 354):
(وتوسطت طائفة ثالثة وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، والتبديل في يسير منها جدا، وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاق، فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة.
قلت: وهي باطلة قطعا من عشرة أوجه:
أحدها: أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث، فالجمع بين كونه مأمورا بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين.
الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغير سارة، فأمر بإبعاد السرية وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى الغيرة عنها، فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية؟! فهذا مما لا تقتضيه الحكمة.
الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا، ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده.
الرابع: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحاق بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فبشرها بهما جميعا، فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحاق وقد بشر أبويه بولد ولده؟!
الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله تعالى وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره وبذل ولده له، وجعل من إثابته على ذلك أن آتاه إسحاق، فنجى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحاق.
السادس: أن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه سأل ربه الولد فأجاب الله دعاءه وبشره، فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم} فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا، وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن، وأما إسحاق فإنما بشر به من غير دعوة منه، بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه؛ قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله} فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين؛ مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى، والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها، والبشارة الأولى هي التي أمر بذبح من بشر فيها دون الثانية.
السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة، ولم يفرق بينه وبين أمه، وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها في بلدها ويدع ابن ضرتها؟!
الثامن: أن الله تعالى لما اتخذ إبراهيم خليلا؛ والخلة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس في شعبة لغيره، فلما سأله الولد وهبه إسماعيل فتعلق به شعبة من قلبه، فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست لغيره من الخلق، فامتحنه بذبح ولده، فلما أقدم على الامتثال خلصت له تلك الخلة وتمحضت لله وحده، فنسخ الأمر بالذبح لحصول المقصود وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال.
ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها، فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم يحتج في الولد الآخر إلى مثله، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه كما أمر بذبح الأول، فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك، وهذا خلاف مقتضى الحكمة فتأمله.
¥